اختتم مؤتمر لندن لدعم الأردن أعماله بنفس التفاؤل الذي بدأ به، وتشير الأخبار الى أن أكثر من (2,5 مليار دولار) هي مجموع التعهدات، بين قروض وتسهيلات ومساعدات، وإذا كان من المبكر الإنشغال في عمليات حسابية لمبالغ افتراضية، فمن الأفضل أن نبقى في حدود السياسات العامة، وفي هذا الاطار لا بد من التذكير، بأن كل المبادرات التي ساعدت الأردن على الصمود والوفاء بالتزاماته، كانت بفضل الجهود الشخصية لجلالة الملك، واستثمار علاقاته الطيبة مع زعماء العالم، ورصيد الأردن من المصداقية والإحترام، وليس لأحد أن يَدّعي غير ذلك، أو ينساق خلف شائعات مغرضة تقول، بأن المساعدات الدولية هي ثمن لمواقف وخدمات سياسية وأمنية، في اطار ترتيب المنطقة بشكل لا يعني الأردن ولا يخدم مصالحه، وبعيداً عن وسواس المؤامرة، فما يُحَضر للمنطقة لا يخفى على أحد، والضغوطات التي يتعرض لها الأردن لم تَعُد سراً، فقد أشار لها جلالة الملك في أكثر من مناسبة، وطمأن المواطنين بأن الأردن يعي مصالحه ويتمسك بحقوقه وبثوابته، ولا يقبل المساومة عليها بأي ثمن، وعليه يمكنهم الركون الى الثقة المطلقة في حكمته، سواءً لترجمة نتائج المؤتمر الى حقائق تنموية تسري في شرايين الإقتصاد الوطني، أو الجهد الأشمل لإخراج البلاد من كل المطبات الداخلية، والخارجية.

كما يجري في العادة، بعد كل نشاط او مؤتمر مهم، يجتمع الفريق المشارك، للنظر في نقطتين رئيسيتين، تقييم الأداء والنتائج من ناحية، والتخطيط للمرحلة القادمة وما تحتاجه من أدوات من ناحية ثانية، ففي الشق الأول، يبقى القرار لصاحب القرار، الذي يُشرِف ويُلاحظ ويُقَيم، وله رؤيته لما كان عليه الوضع، ولما يجب أن يكون !!!، أما ما يشغل المواطن من الشق الثاني، فيمكن الإجتهاد به حتى قبل الوصول الى الأجتماع التقييمي لمؤتمر لندن،،، فمن شبابيك طائرة العودة في الأجواء الأردنية، ربما شاهد المشاركون آثار «الطوفان»، في وسط العاصمة وأطرافها، وربما سمعوا صدى اصوات المواطنين، تصدح بشكواهم مما أصابهم، ودعواهم على من يعتقدون انهم السبب في بلواهم، فبقدر ما تبدو المشكلة من أعلى، فهي على أرض الواقع أكثر تعقيداً، وأثقل على من يبحثون عن فقيدٍ لهم، او عن بقايا بيوتهم ومحلاتهم، التي طارت وحملت معها أحلامهم، المهم أن هذه حالة نموذجية، يمكن أن ينسحب عليها لكثير مما يجري في البلاد، من حيث نسبية الأشياء، وكيف تبدو من » فوق » غير ما تبدو عليه من » تحت »، مما يتطلب أعلى درجات التركيز لتحقيق المستوى المطلوب من الفهم المشترك.

ينشغل الأردنيون بقائمة طويلة من التطورات، ربما تتجاوز المسافة بين وسط عمان الغارق في السيول ووسط لندن الغارق في الضباب، وربما يأتي في المقدمة، من حيث الخطورة والأهمية، تلك الأصوات التي تثير أسئلة مستهجنة، يفترض أن الزمن تجاوزها، بعد حوالي مئة عام من بناء الدولة، أسئلة تنبش في الماضي والمستقبل، وتدور حول العقد الإجتماعي، وتعزف على وتر الهوية والكيان، أسئلة ليس لها أي مكان، سوى في علاقة ملتبسة، بين المواطن والدولة والحكومة، وهي مع الزمن تزداد التباساً، إذا لم نبادر بوضعها في سياقها الصحيح ونُوَليها جُل اهتمامنا، فليس من شيء في أذهان الأردنيين ولا في حياتهم أهم من علاقتهم مع الدولة وموقفهم من الحكومة، فالدولة كائن رمزي إفتراضي صنعوه بأنفسهم، ويمثل لهم، الماضي والحاضر والمستقبل، وهي منذ أن وُجِدَت تضع نفسها في خدمتهم دون تمييز أو تقصير، وهذا يتطلب منهم أن يقابلوها بالمثل، بأن يحافظوا عليها، ويحفظوا لها هيبتها ورمزيتها وممتلكاتها، ولا يُحَمّلوها أي مسؤولية من أي نوع، فالدولة ليست الحكومة، ولا يجوز الخلط بينهما، فالحكومة مكون من مكونات الدولة وأداة من أدواتها، وليست رديفاً لها ولا بديلاً عنها، والحكومة بمؤسساتها وأشخاصها، هي التي أوجدها المجتمع لتلبية احتياجات المواطنين وتنظيم الحياة المشتركة بينهم، وهي الجهة التي يجب أن نتوجه اليها بمطالبنا المشروعة، وأن نُوَجه لها اللوم على التقصير، ونُحاسبها من خلال الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وأيا كانت مآخذنا عليها فلا يجوز اللجوء الى غيرها، بأنظمتها ومؤسساتها وأدواتها، لأن ظاهرة تجاوز الحكومة، مؤشر خطيرعلى ضعفها، بينما الأخطر، هو أن يختار بعضنا أن يعيش في عصر ما قبل الدولة، وأن يفشل في بناء علاقة سليمة مع الحكومة، ولا يقدر خطورة البحث عن حلول مطلبية ادارية أو سياسية أو أمنية بعيداً عنها.

إن انتشار ظاهرة التجديف خارج الحكومة، يعتبر خرقاً لقواعد المواطنة، وقد يؤدي الى تجديف خارج الدولة بالكامل، وفي مثل هذه الحالة، ندخل في وضع أخطر بكثيرمن إدارة بعض الموارد، الناتجة عن اجتماع لندن، او ادارة بعض الأزمات الناتجة عن زيادة في الأمطار أو تقصير في تقديم بعض الخدمات هنا وهناك، باختصار شديد، إن كل ما نشكوا من إختلالات، اقتصادية اجتماعية او ادارية سياسية او أمنية، يرتبط بشكل عضوي، بخلل علاقاتنا مع الحكومة، ومن ثم مع الدولة، فلو تم تطبيق القوانين والأنظمة على الجميع بحزم، لتجنبنا معظم مشاكلنا ان لم يكن كلها، فكل المشاكل تتسرب من الضعف في تطبيق القوانين، أو استغلال الثغرات في اجراءات التقاضي والتنفيذ والسلطة التقديرية، وإن كل هذا يصدر عن مواطنين مثلنا، سواء كانوا في موقع المسؤولية او خارجها، ولكنهم يملكون قوة فوق القانون، فنحن نمثل محور كل مشكلة، ويمكن أن نمثل المدخل لأي حل، اذا أصلحنا أنفسنا أو وجدنا من يُصلحنا، على أن لا يكون الخلل قد تسرب الى ارادة الإصلاح، التي تعتبرالجهاز المناعي للمجتمع، هنا تأتي الحاجة للوقفة الوطنية التاريخية، التي لا يجوز التردد فيها، لمراجعة مدى إكتمال تكوين الدولة، والوقوف على مواطن الخلل، وتحديد مسؤولية الأشخاص والجماعات التي تسببت بتعطيل القانون أو عبثت بالحكومة وتغولت على الدولة، عن جهل او سوء نية، ويبقى الحكم على وطنيتنا وعلى مناعتنا، للتاريخ، ليس بخصوص نتائج مؤتمر لندن أو آثار الطوفان فحسب، بل بخصوص «ما بعد الطوفان».

سفير متقاعد

Ghal_saad@hotmail.com