هل تعرف جزيرة مالطا؟

كثيراً ما يضرب المثل في جزيرة مالطا كناية عن البعيد المجهول، حتى ظننا أنها ضرباً من ضروب الخيال...إلا أن هذه الجزيرة حقيقة ذات وجود جغرافي فعليّ، فهل تعرف شيئاً مالطا وأهلها؟

تقع جزيرة مالطا في وسط البحر الأبيض المتوسط، إلى الجنوب من إيطاليا وإلى الشمال من ليبيا، وهي ضمن القارة الإفريقية فعلياً، إلا أنّها من الجزر التابعة للاتحاد الأوروبي، وتبلغ مساحة الجزيرة الإجمالية 246كم2، وتتكوّن الجزيرة من مجموعة من المدن الصغيرة، وعاصمتها هي مدينة فاليتا، وتعتبر مدينة أورمي من أكبر مدنها.

يبلغ عدد سكان الجزيرة حوالي 409259 نسمة، حيث تشكّل الأصول الأوروبية، وشمال الإفريقية ما يقارب 90% من الشعب المالطيّ، أما النسبة الباقية فتتشكّل من أصول إيطالية وبريطانية، وتظهر الملأمح العربية على سكان مالطا وخاصّةً النساء، أما اللغة المستعملة في الجزيرة، فتعتبر اللغة المالطية هي اللغة الرسمية لها، وتعود أصول هذه اللغة إلى اللغة السامية فنجدها مختلطة ومتأثرة بالعربية، فالكلمات العربية تشكل ما يزيد على 40% من اللغة المالطية، ويعتنق غالبية السكان بنسبة 98% الديانة المسيحيّة الكاثوليكية، ويوجد في الجزيرة 360 كاتدرائية، وكنسية مسيحيّة.

يصنف اقتصاد جزيرة مالطا كاقتصاد متطوّر وذلك وفقاً لصندوق النقد الدولي IMF، حيث كان الاقتصاد المالطي قديماً يعتمد بشكل أساسيّ على صناعة القطن، والتبغ، وبناء السفن، والعمل على تصديرها، أما حالياً فالاقتصاد المالطي يعتمد على التجارة الخارجيّة، باعتبارها نقطة للشحن العابر، كما يعتمد أيضاً على الصناعات التحويلية مثل الإلكترونيات والمنسوجات، فضلاً عن اعتمادها الكبير على السياحة الداخليّة والخارجيّة.

تاريخ مالطا:

لم تعرف جزيرة مالطا السكينة والاستقرار، لفترات طويلة من تاريخها القديم، فقد تعاقبت الأمم على احتلالها وتعرضت للغزوات المتتالية بسبب موقعها الاستراتيجي، حيث اعتبرت الجزيرة لما يزيد على سبعة آلاف سنة ملجأً للكثير من البحارة القادمين من جزيرة سيسيلي الإيطالية المجاورة لها، ثمّ تبعها سيطرة الفينيقيين اللبنانيين القدماء اللذين استمرّوا في حكمهم للجزيرة لما يقارب 600 عأماً، حتى استقرّ فيها القرطاجيون بعد ذلك، ولحقهم الرومانيون حتى تمّ إلحاق الجزر جميعها خلال القرن الرابع للأمبراطورية الرومانية الشرقية، ثم الأمبراطورية البيزنطية، حتى سيطر عليها العرب في العأم 1870م وبقيت تحت سيطرتهم لأكثر من قرنين متتاليين، حتى أخرجوا منها أثناء الحروب الصليبية في العأم 1091م التي كان يقودها فريدريك الثاني.

حكاية من التراث الشعبي

الأميرة وابن الفلاح



كان أحد السلاطين يهتمّ بأمر رعيته بشكلٍ دائمٍ. وفي أحد الأيام خطر بباله أن يطوف في نواحي بلاده مُتكتّمًا، فيستطيع أن يطّلع على رأي أبناء رعيّته فيه، وعلى ما يحتاجون إليه، فيُلبّي مطالبهم من دون أن يعلموا أنّه عرفها منهم.

تخفّى السلطان بملابس لا تدلّ عليه. وكذلك فعل وزيره. وخرجا يطوفان في المدينة وضواحيها، ويقعدان إلى التّجار والعمّال والفلاّحين ويتحدثان إليهم، ويسألانهم عن أحوالهم، وعن سلطانهم، كأنّهما غريبان لا يعرفان شيئًا عن بلادهما.

وصلا إلى بيت فلاحٍ فقيرٍ، فجلسا يستريحان عنده، فقدّم لهما الفلاّح طعامًا، فأكلا وشَكَرا له ضيافته.

كان للفلاح طفلٌ صغيرٌ في مثل عُمر بنت السلطان، رآه السلطان بين ذراعيّ أمه. وكان الوزير مّمن يقرأون المُستقبل في الوجوه وتقاطيعها، فقرأ على جبهة الطفل أنّه سيكون، حين يكبر، صهر السلطان. فأخبر السلطان سرًا بذلك. فضحك السلطان وقال له: » لن أدعه يتزوّج ابنتي، فهو سيشبّ فقيرًا حقيرًا، ولن يصلح أن يكون زوجًا لبنت سلطان. وسأريك كيف أمنعُ هذا الزّواج».

نادى السلطان الفلاّح وسأله إن كان ابنه هذا وحيدًا. فقال الفلاح: كلاّ! إن له أخوةً ثلاثةً. فقال له السلطان: إنّ لا أولاد لي، وأريد أن أتبنّى ولدًا وأربّيه وأعلّمه وأورّثه ثروتي الكبيرة. هل تعطيني الطّفل ما دام عندك ثلاثة أولاد غيره؟

تردّد الفلاح وزوجته في بادئ الأمر، ولكنّهما فكّرا بمستقبل ابنهما في رعاية هذا الرّجل الغنيّ الذي سيُربّيه تربيةً حسنةً ويعلّمه، كما سيورثه ثروةً كبيرةً يمكنه معها أن يساعدهما ويساعد إخوته. فرضيا بما عرضه عليهما. وقدّم لهما السلطان مبلغًا من المال ليُحسّنا أوضاعهما.

حمل الوزير الطفل وسار مع السلطان حتّى وصلا إلى نهرٍ، فتناول السلطان الطّفل من الوزير وقذفه في النّهر وقال للوزير: أرأيت كيف أكذّب المُقدَّر؟ فليتزوج ابنتي بعد الآن! فقال الوزير: لن تستطيع يا سلطان الزّمان أن تغيّر شيئًا ممّا قدّره الله. سوف ينجو هذا الطّفل ويتزوّج ابنتك. فضحك السلطان ساخرًا من تفكير وزيره، ورجعا إلى القصر.

أمّا الطفل فحمله تيّار النّهر حتى قذف به في مجرى ماءٍ يدير حجر مطحنةٍ، فسدّ الطفل الفوهة، ونقص الماء عن الحجر، فوقف عن الدوران. فظنّ الطّحان أن صخرةً وقعت في المجرى فسدّت فوهته، فصعد إلى سطح المطحنة ليرى السبب، فوجد طفلاً ناشبًا بين قضبان الحديد الموضوعة على الفوهة، فانتشله، فرآه ما يزال حيّا، فعطف عليه، وحمله إلى زوجته وطلب منها أن تعتني به كما تعتني بأولادها، ففعلت.

ولمّا كبر الولد أرسله الطحّان مع أولاده إلى المدرسة، وشهد له أساتذته بالذّكاء والاجتهاد. وبعد بضع سنين أكمل علومه ونال شهادته. ففرح به الطحّان وأسرته، وأخذ يُفكّر في عملٍ يليق بمعارفه.

في أحد الأيام خرج السلطان ووزيره إلى الصيد، ومرّا بالأرض التي فيها المطحنة وجلسا يستريحان في ظلّ إحدى الأشجار، فذهب الطحّان ودعاهما للاستراحة عنده، فقبلا دعوته، وذهبا معه.

وفي بيت الطّحان رأى الوزير الولد الذي كان السلطان قد ألقاه في النّهر، وكان قد صار شابًا، فعرفه وقال للسلطان هامسًا: هذا هو الولد الذي ألقيته في النهر، نجا وشبّ، وسوف يتزوج ابنتك!

قلق السلطان، وسأل الطحان: أهذا الشّاب ولدك؟ فقال الطّحان: كلا! وأخبره كيف وجده في فوهة المطحنة فربّاه كأحد أولاده، وعلّمه، وهو اليوم يسعى ليجد عملاً يليق بمعارفه.

فقال له السلطان: لا تشغل بالك بالأمر، سآخذه إلى بلاطي وأعيّنه في منصبٍ حسنٍ.

فدعا الطّحان للسلطان بطول العمر. وكتب السلطان رسالةً إلى زوجته يقول فيها: حينما يصلُ الشّاب الذي يحمل هذه الرّسالة، مُرِي بقتله فورًا. ووقّع الرّسالة وختمها وسلّمها إلى الشّاب، وقال له أن يأخذها إلى السلطانة، وهي تضعه في المنصب الذي يليق به.

حمل الشّاب الرسالة وذهب إلى قصر السلطان. ولمّا وصل شعر بالتّعب وقد أجهده الحر، فاستراح قليلاً في ظلّ جدران القصر العالية. وشعر ببرودةٍ لذيذةٍ، فنعس وتمدّد على الأرض فأغفى، وكانت نومته تحت نافذة بنت السلطان.

وصادف أن أطلّت بنت السلطان من نافذتها فرأت شابًا نائمًا تحتها، فأعجبها شبابه، فانحدرت إليه لترى ما شأنه، فوجدته مغفيًا وفي يده رسالة، فأخذتها من يده من دون أن يشعر، وفتحتها وقرأتها، فاستاءت من أبيها، وحنّت على الشاب، وشعرت بحبٍ له، فمزّقت الرسالة، وأسرعت إلى غرفتها، فكتبت رسالة غيرها قالت فيها لأمها عن أبيها: حينما يصل هذا الشّاب إليك زوّجيه حالاً بابنتنا ولا تراجعيه. وقلّدت إمضاء أبيها وختمت الرّسالة ووضعتها قرب يد الشّاب وعادت إلى غرفتها.

لم يلبث الشاب أن استيقظ، ففرك عينيه ونهض، وقرع باب القصر، ففتح له خادم. فأخبره أنّه يحمل رسالةً من السلطان إلى السلطانة. ولمّا قرأتها تعجّبت من عجلة السلطان في تزويج بنتها بشابٍ لا تعرفه. ولكنّها لمّا نظرت إليه أعجبها شبابه، وكلّمته فأعجبها لطف كلامه، فنادت ابنتها وسألتها: هل تريدينه زوجًا؟ فأجابت بالإيجاب، فزوّجته إيّاها.

بعد يومين عاد السلطان من الصّيد، وما إن دخل القصر حتى رأى الشاب الذي أمر بقتله يتنزّه مع ابنته في بستان القصر، فذهل وسأل أحد الخدم: مَن هذا الشّاب؟ فأجابه: إنّه زوج ابنتك الأميرة.

فغضب السلطان ودخل يسأل السلطانة كيف زوّجته ابنتهما مع أنه أمرها في رسالته أن تقتله. فناولته الرّسالة التي وصلت إليها، وقرأها، فتعجّب لتغيّر ما كان قد كتبه في رسالته، ونظر إلى التّوقيع فرأى أنّه توقيعه. فالتفت إلى الوزير مذهولاً. فقال له الوزير: «أما قلت لك يا سلطان الزمان إنّ ما قُدّر لا بُدّ من أن يكون».

فأذعن السلطان للأمر الواقع وجعل الشاب في منصبٍ سامٍ يليق بصهر السلطان.