للأسف، فصوت الإرهاب أعلى من صوت المنطق، وسلوك التعصب والتطرف أعم وأشمل من سلوك التسامح والتعددية. ثبت هذا من خلال ما ارتكبه سفاح نيوزلندا في المسجدين حيث المصلين الابرياء.

الحرية الدينية في نيوزلندا واقع ملموس، غير أن الجريمة البشعة يوم الجمعة تحديدا تؤكد ان ظاهر الامر ليس كباطنه. فالمجرم « برينتون تارانت»، الذي خطط بهدوء ونفذ بدم بارد جريمته في مسجدي مدينة كرايست تشيرش وقتل نحو 49 بريئا وأصاب العشرات، يمثل سلوكا ربما كانت له الحاضنة الاجتماعية التي غذت لديه التطرف وصاغت عنده العقيدة الاجرامية وربما وفرت له الوسائل للتنفيذ.

معالجة الأمر لا تكون بالقطعة، او بالحديث عن تطرف لا دين له او أرض أو زمان، وإن كان صحيحا، لان السؤال المزعج, يظل يطرق عقولنا وضمائرنا: لماذا أقدم القاتل المتطرف المتعصب على جريمته لأسباب تتعلق بمعتقد وظروف المقتول الذي يعيش في بلد يؤمن بالحرية وإن كان ليس بلدا مسلما.

كون المجرم استراليا، لا يقلل من مسؤولية الحكومة النيوزلندية عن معرفة الاسباب الكامنة بجذورها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي خلقت هذا الهجين القاتل المتوحش وجعلته يحظى بالتمجيد لدى غيره.

لأن، ما نخشاه أن نشهد «برينتون تارانت» آخر، في ظرف مكاني وزماني آخر، وبملامح أوروبية أو شرق أوسطية... إلخ. طالما اننا نتعامى عن حقيقة ان التطرف بيئة خصبة طرية تتغذى على الكره والحقد، فتنبت شجرة بثمار مرارتها تظل عالقة في ذاكرة المحب للحياة والذي يقبل الاخر على اختلافه.

بعض السياسيين أو قادة الرأي لا يدركون الآثار البعيدة لتصرفاتهم في صراعاتهم المتوالية على المصالح، ويرفضون التسليم أن الشعوب دائما ما تتأثر من ممارساتهم على المديين المتوسط والبعيد، فالخطاب الذي يمجد فيه السياسي التاريخ المنتقى لمواقف وأحداث من تاريخ بلاده، يجعل أمثال «برينتون تارانت» يفهمون هذا التاريخ على طريقتهم والتي عكسها هذا القاتل البشع المدرك لأفعاله بشعارات متطرفة نثرها على سلاحه وملابسه، ومجدها بفيلم يوثق هذه الجريمة في محاولة لإيصال رسالة، ربما، لآخر كامن هنا أو هناك.

في منطقتنا العربية، أثبت تاريخ التطرف أنه قوي ومنظم لأن حاضنته موجودة، وجذورها اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة، بل إن هذا التطرف يملك أحيانا خطابا مفاجئا يؤثر في بعض ضعاف الفكر ومعدمي الرؤية.

فأكثر ما يولد الاحباط والكره العارم الاعمى في منطقتنا العربية، كان ومازال، الإرهاب الصهيوني الاطول في تاريخ البشرية بحق الابرياء الفلسطينيين والذي لم تسلم منه حتى الاشياء الاخرى من شجر وحجر، وما رافقه من كذب برر للقاتل والجلاد فعلته، وأدان البريء في دفاعه عن حقه في الحياة.

إذن، لدى المقاربة، إذا أردنا ان نصيغ معادلة لصناعة إرهابي فكل ما نريده العناصر التالية:

(سياسي كذاب + إنسان محدود الفكر والرؤية+ ظروف محيطة تولد الاحباط والكره +حاضنة ترعاه) لنصل لإرهابي على غرار «برينتون تارانت».