في كل خطابات جلالة الملك وأوراقه النقاشية كان دائماً يركز على شمولية حل مشكلة وظاهرة التطرف ولم يستوعب أحد مضمون ومفهوم الشمولية في الخطاب الملكي السامي، فمن خلال متابعتنا لكل ما يجري حول العالم من اتساع نطاق الخطاب التحريضي الشعبوي وتكرار التعبئة والتخويف مما أصبح يطلق علية «الإسلامو فوبيا» تخويفاً من الإسلام على قاعدة أنه منبع الإرهاب والتطرف، هذا الفهم المنقوص والذي يعتبر التطرف الإسلامي هو الإرهاب وإن كل عملية متطرفة أو إرهابية تلصق بشكل غير مباشر أو مباشر بالإسلام والذي هو بعيد كل البعد عن الإرهاب، وهو دين سماحة ووسطية واعتدال.

لو قدر لقادة العالم أن تركز على مضامين الخطاب الملكي ومضامين الرؤية الملكية لشمولية حل التطرف كظاهرة عالمية ليس انتماء وليس لها مرجعية واحدة أو منطلقات فلسفية أو نظرية واحدة فمهوم شمولية الحل كان دائما يعني بها جلالة الملك أن الحل يكمن في محاربتها كظاهرة عالمية لقيت انعكاساتها وبيئتها الحاضنة في كل الأديان وفي كل المجتمعات وهذا ما برز بشكل واضح وجلي التحولات التي حصلت في البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية وبخاصة في الدول الغربية والتي جنحت نحو أقصى اليمين والتي تبحث عن التقوقع الذاتي خلف جدران العصبوية الدينية أو المكانية أو الجغرافية أو العرقية كل ذلك وبالتماهي مع الخطاب الشعبوي الذي جذره الرئيس الأميركي وتناغم معه كل حركات اليمين الشعبوي في أوروبا والعالم والذي احتل مراكز متقدمة في كل الانتخابات الأخيرة في الدول الغربية وحتى دول العالم النامي وبخاصة في أميركا اللاتينية وغيرها.

من هنا فإن استيعاب مفهوم الشمولية في خطابات ولقاءات جلالة الملك كان يعني وما زال يعني أن القضاء على ظاهرة التطرف العالمية يجب أن يكون بخطة دولية شاملة تركز على إعادة تشكيل وعي التواصل والتكامل والتكافل الدولي والبدء بمعالجة فكرية ونظرية وقانونية وثقافية للتطرف بمفهومه العام من اليمين الشعبوي مروراً بالتطرف الإسلامي وصولاً إلى التطرف العرقي والذي بدأ يبزغ برأسه كمحرك لمشكلة عالمية أخرى بين باكستان والهند.

إذن فالمذبحة النيوزلندية والتي غذت فكر ذلك المتطرف اليميني ضد الإسلام والمسلمين هي نتيجة طبيعية لتساهل وسائل الاعلام الأجنبية والغربية على التخويف من الإسلام كونه هو صاحب الفكر الإرهابي المتطرف وهو ما غذى ظاهرة «الإسلام فوبيا» كما اسلفنا دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الظاهرة تخص كل المجتمعات والشعوب والأعراف والديانات والطوائف مغذية ومستمدة ركائزها من الشعوبية الأميركية والأوروبية المتركزة أصلاً على رؤية صهيونية بحته في النظر إلى العرب كأمة وإلى الإسلام كديانة هذه الماكينة الصهيونية هي المغذي الحقيقي لهذه الظاهرة ويتجلى ذلك بشكل واضح من خلال خطاب اليمين الصهيوني ومن خلال خطاب الكراهية للأعراف والأديان والمجتمعات التي تعشش في رؤوس الكيان الصهيوني المحتل والذي وظف كل ماكينته الإعلامية ونفوذه ومراكز الضغط من أجل نسف مفهوم شمولية الحل الذي اعتمده جلالة الملك كطريق سليم وسلس وسهل لحل ظاهرة التطرف العالمية بغض النظر عن مصدرها وانتماءاتها ومرجعياتها لأنها مشكلة تخص التكامل الدولي والانفتاح الحضاري والثقافي والاجتماعي وخاصة الانفتاح الفكري على الآخر، ولكن كل ذلك يذهب أدراج الرياح ما لم يعيد العالم قراءة مفهوم الشمولية في الحل وليس اعتماد سياسة تدوير الزوايا وتركيزها بشكل غير عادل وغير منطقي نحو التطرف الإسلامي وحده.