لأكثر من سبب نجحت زيارة العمل التي قام بها جلالة الملك عبد الله الثاني للولايات المتحدة وبكل المقاييس وعلى مختلف المستويات، فهي من ناحية أعادت تأكيد عمق العلاقات السياسية التي تجمع المملكة مع هذه الدولة العظمى والتي شهدت نمواً وتطوراً في العهد الملكي الأردني الرابع شمل مختلف المجالات، كما أنها علاقات ممتدة وراسخة تقوم مرتكزاتها الرئيسية على تحقيق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين على أسس واضحة من التفاهم والمكاشفة والسعي الحثيث لترجمة مبادئ وقرارات الشرعية الدولية ذات مضامين تهدف لنشر الوئام والسلام وحل الخلافات والقضايا الدولية العالقة لا سيما القضية الفلسطينية المبتدأ والخبر في زيارات جلالته لأميركا.

الزيارة الملكية نجحت كذلك بالنظر إلى سلسلة لقاءات جلالته مع المسؤولين في الإدارة الأميركية، وفي مقدمتهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي التي أكدت أن أفكار ورؤى وحنكة وحكمة جلالته تساعد الإدارة الأمريكية في صنع السياسات الخارجية نتيجة ما يتمتع به جلالته من ثقة ومصداقية كبيرة وعالية لدى كافة قادة وزعماء المجتمع الدولي، وهو ما اتفقت معها عليه مختلف القيادات والرؤساء وأعضاء اللجان في الكونغرس الأمريكي بشقيه الشيوخ والنواب ما يعني أن لجلالة الملك كزعيم عربي وهاشمي مكانة ومنزلة عالمية واحتراما مرموقا اكتسبه بفضل شخصيته الفذة وسياسته الحكيمة ودوره في السعي منذ تسلمه سلطاته الدستورية في تحقيق أقصى درجات التقارب والتفاهم والعيش المشترك بين شعوب الإنسانية جمعاء من أتباع مختلف الطوائف والديانات.

نجحت لأن جلالة الملك يستثمر في مثل هذه اللقاءات مع الزعامات الأميركية لدعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في تحقيق السلام في الشرق الأوسط وإيجاد حل للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين المتفق عليه بين كافة أطراف النزاع والذي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والتي تعيش بسلام الى جانب إسرائيل التي عليها أن تغير من سياستها ونواياها وتبدي صدقاً في التوجه نحو تحقيق السلام المنشود ليصبح واقعاً يبدأ معه الشعب الفلسطيني بالعمل على ترجمة آماله وطموحاته بالتنمية والتقدم والازدهار.

والزيارة الملكية نجحت كذلك لأن مباحثات جلالة الملك عكست عمق وتطور وتقدم علاقات البلدين وتطابق وجهتي نظرهما في كثير من الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك إضافة بالطبع الى ما تكنه الولايات المتحدة الصديقة من احترام وتقدير للدور الذي ينهض به جلالة الملك على الصعيدين الإقليمي والدولي,

وما تتمتع به الدبلوماسية الأردنية من مصداقية وانحياز مطلق لثقافة السلام والحوار واحترام الشرعية الدولية والقانون الدولي كذلك في النموذج الذي يشكله الأردن في مجال الإصلاح الذي كرسته الرؤية الملكية في المنطقة والذي يتجسد على نحو عملي ومباشر في المشهد الأردني عبر تجسيد الأردن الديمقراطي التعددي ودولة المؤسسات والقانون وتكافؤ الفرص واحترام حقوق الإنسان.

ونجحت لأنها شكلت فرصة لإعادة التأكيد الملكي على رفض سياسة الإجراءات الأحادية التي تقوم بها إسرائيل في مدينة القدس ومحاولاتها المستمرة لتغيير ملامح ومعالم هذه المدينة التي لها مكانة دينية وتاريخية مقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود، وهو ما عبر عنه جلالته صراحة في أكثر من مناسبة حين قال بأن الأمر عندما يتعلق بالقدس فإننا لا نستطيع الوقوف متفرجين لأن القدس خط أحمر لا يمكن القفز عنه أو تجاوزه مهما بلغ الثمن وعليه فإن لقاءات وحديث جلالة الملك مع الساسة والنواب الأمريكان في هذا الجانب استحوذ مساحة واسعة وليست هذه المرة الأولى لأن أي حديث عن سلام بمعزل عن القدس ما هو سوى مضيعة للوقت وبلا أي طائل وفائدة.

الزيارة الملكية أشّرت مجدداً إلى حجم وطبيعة الدور الدولي الذي ينهض به جلالته منطلقاً في ذلك من مسؤولياته التاريخية إزاء مجمل قضايا المنطقة وتطوراتها المتلاحقة سواء ما تعلق منها بالقضية الفلسطينية، فجلالته وهو القائد العربي الهاشمي لا يتوان عن استثمار مثل هذه الزيارات وما يتخللها من لقاءات عمل لشرح وجهة النظر الأردنية المعمقة حيال ما يعصف بالأمتين العربية والإسلامية من أزمات، ولنا ان نفخر بما نسمعه ونصغي إليه من أقوال وآراء لأقطاب السياسة الأميركية في جلالة الملك ما يجعلنا نزداد يقيناً يوما تلو الآخر بأننا نسير على الطريق الصحيح بخطى واثقة ومحسومة ومحسوبة لصالح الأردن بقيادة جلالته.

Ahmad.h@yu.edu.jo