أزور المكتبة لأشتري كتاباً، فأشتري غيره.

ازور مكتبتي بحثا عن كتاب، فاجد غيره، بل اجد رسائل مودعة منذ سنوات تنتظرني...

مما عثرتُ عليه مجموعة اوراق بخط يدي، تدون معلومات عن طفولة محمود درويش.

كانت هذه الجلسة مخصصة لمشروع كتاب، طلبتْه مني احدى دور النشر الفرنسية (publisud) في مطالع الثمانينيات، بعد خروجه من بيروت، وإقامته في باريس.

مشروع الكتاب لم يبصر النور... ما بقي هذه الأوراق القليلة.

أنشرها ادناه كما وردت، أي مقطعة ومتناثرة. ذلك انها اثر كتابي، لا يجوز العبث به، كما أظن:

أنت الآن في باريس، وها نحن نبدأ حوارات من جديد. كان يمكن لنا ألا نلتقي...

أنت الآن من جديد، من دون بيت عائلي، من دون عنوان ثابت...

من أنت؟ من يعرِّف بك: هويتك؟ جوزا سفرك؟ عائلتك؟ شِعرك؟...

أيضايقك الأمر أنك لا تعرف يوم ميلادك؟

أين ولدت؟

ماذا يعني لك أنك ولدت فيها؟

أتشعر بأنك تنتسب إليها؟

حين تشعر بالوحدة الكلية، هل تعود إليها؟

صفْها لنا. تذكرها. من يشهد على وجودها السابق غير كلامك؟

...

عناصر المشهد الطفولي: البروة – 1942: العلاقة مع العالم عبر الجد، التي تتيح حرية نسبية في الحركة: طائش، ثرثار، واثق من نفسه، مغامر. حياة هانئة، ريفية. العالم يتكون من «الديوان»، بسهراته وأقاصيصه وشخصياته.

محاولة الخروج الأول إلى العالم: عكا. العودة الصعبة. دائمًا خارج البيت. هذا الهوس بعدم الرجوع.

لبنان، دير الأسد، كفرياسين... 1948: ينكسر المشهد الطفولي. من كانت حياته مستقرة، يتعلم الانتقال بين مدن لبنان وفلسطين وبعدها. ينكسر المشهد عنفيًّا (تدمير القرية، منع الإقامة فيها...): ضرورة المرجع الأولي. تدهور في حالة العائلة معاشيًا. الهروب مجددًا (إلى الوعر والمغاور)، خاصة وأن البيت ضيق. المخيلة. الرجل الفار الغامض. القصيدة الأولى. التورط بالشعر، بداية النضال. المشاركة بأول مهرجان.

1942: لا تعرف النهار (الميلاد). آذار-مارس. لا الساعة، ولا النهار. في (قرية) البروة. رقم 2 في العائلة. ثمانية في العائلة. (الوالد) مزارع يستطيع قراءة الجريدة. مع نشوء إسرائيل، فقد أرضه وبيته. صار يعمل في مقالع الحجر، وعاملًا زراعيًّا. ما كان عندي اهتمام بالعائلة، وبنسبها. يقال أن والد جدي مهاجر من الضفة الغربية. عائلة كبيرة: نصف القرية. انتماء عائلي قوي، تحت العشيرة والقبيلة. أمي من الدامون، قرية مجاورة (شُقر، وعيون زرقاء: مشهورون بذلك).

أرى في سهل عكا، المشهورة بأن بونابرت انهزم أمام أسوارها. وبنى فيها سورًا: تل الفخار، وهو موجود حتى اليوم. خيَّمَ (بونابرت) سنتَين هناك. قريتنا من قضاء عكا، وهي مرجعنا. تقع على تلة صغيرة في وسط السهل. غربها امتداد السهل، وشمالها يبدأ بمرتفعات الجليل، وهي محاطة بسهول الحبوب، وبغابات واسعة من الزيتون، وتعتمد على الزراعة. قرية جميلة ونظيفة. يمتاز أهلها بالعصبية، بالعصاب والافتخار وبالانتماء إليها. مشاكل مع الجيران. روح فروسية، وإحساس بالتفوق. طباع جبلية، رغم أنهم يعيشون في السهل وفي مقدمة الجبل. ربما لأنهم في احتلال. مقاتلون أشداء. حرروها بعد أسبوع على احتلال إسرائيل لها في 1948: شربوا شاي الإسرائيليين ساخنًا...

أبادوا (الإسرائيليون) القرية إبادة كاملة. دمروها، وأخذوا الحجارة منها. أبقوا فيها كنيسة. تعايشٌ طائفي نموذجي بين نصف القرية المسيحي والنصف الآخر المسلم. كان جدي يأخذني لزيارة الخوري عند الدكان. حي النصارى: أكوام «البزيق»، شوارع مبلطة، وأكثر نظافة من غيره.

جدي (لوالدي) هو الذي رباني. كان ملاكًا كبيرًا. أبي يدير الأراضي. جدي هو البيت، من دون عاطفة... «الديوان» (قهوة) يستقبل الزوار دومًا. كان (جدي) يفرح لأنني أقرأ الجريدة، وأنا صغير. كان يأخذني إلى عكا، ويشتري لي ملابسي.

جدي هو عائلتي. أمي بعض القسوة. أبي بعض الإهمال. لا دلال من أبي أو أمي. الحنان من جدي. كنت أشعر بأن البيت كله بيتي، لأن جدي يوليني سلطاته. وأنا في السادسة من عمري، قرأت الجريدة. كنت منطلقًا، شقيًّا، مشاغبًا، ثرثارًا وفضوليًّا. دائمًا أتدخل في أحاديث الكبار، خاصة في «الديوان».

جدي وأمي غادرا إلى عكا (ذات يوم)، لحقت بهما مشيًا. مشيت «دغري» (بشكل مستقيم) من دون أن أشعر بالخوف. الضياع سهل، لكن العودة أصعب. القرية تبحث عني في آبار المدينة. كنت في الخامسة من عمري.

أول خروج من البيت. جدي أطعمني حلوى (بعد العثور علي)، وأمي ضربتني. في 1948، رحنا إلى قرية شعب المجاورة. حرروا القرية، عدنا. ثم احتلوها مجددًا. في الليل الطويل، في مضارب البدو وجدنا أنفسنا قرب الحدود الفلسطينية-اللبنانية. تسللنا إلى لبنان، وعشنا في جزين حوالي نصف سنة. في الشتاء رحلنا إلى الدامور وبيروت. كنا أشبه بسياح. سنعود في انتظار «جيش الإنقاذ».

بهجة كبيرة، سلة كبيرة، فواكه وألوان، و»الترامواي» آلة عجيبة. في السادسة دخلت إلى المدرسة. كل الصفوف مع بعضها في البروة.

العدو يعني: الوحش، خوف الطفل. رأيت قوافل: من يحمل كيسًا، حقيبة... منظر مخيف. الرحيل الأـول.

قضيت سنة. دائمًا (أثير) مشكلة: أين أنا؟ دائمًا يجيء الليل، وأنا لست في البيت.

العودة إلى البيت: مشكلة قديمة.

كويتُ رجلي. أدخلتُ سكينَ فرمِ التبغ في ركبتي، في الرابعة من عمري. أضع نفسي فوق الحصان، وأتركه يأخذني. المغامرة، المخاطرة، عدم الإحساس بالمخاطرة، أي الثقة.

لو كنا عارفين أن الوطن غير موجود، لما كنا عدنا ربما... لبقينا في لبنان ربما. في قرية دير الأسد (الجليل الأعلى)، قرية وعرة، عرفت البؤس الحقيقي. 5 و6 أفراد في بيت من طين: هو كل شيء. تحول أبي إلى عامل حجارة.

مات جدي في الجديدة (1962-1963)، وهو ينظر من حدودها المجاورة إلى قرية البروة.

أذهب إلى الوعر للقراءة. شبه جوع. شعور بالقهر. شفقة مدمرة على أبي.

تسلية القرية: سيرة عنترة... تخطفني المقاطع الشعرية منها، فأحفظها. في دير الأسد، كان هناك رجل غامض فار من الجيش الإسرائيلي على أساس أنه مقاتل. كان يجلس على مكان مرتفع، وعينه على الطريق العامة، خشية قدوم البوليس. في القرية مغاور عميقة. ناطور القرية، لما يأتي البوليس، كان يعلمنا. العتم كان الشرطة... كان الفار زجالًا، مغنيًّا. وكان يتكلم دومًا عن شيء مفقود، وغير آمن. في العاشرة، قلدت المعلقات. كتبت قضيدة دالية، أصف فيها خروجنا من فلسطين، وعودتنا إليها. بين 10 و15 من عمري حفظت قصائد من الشعر المهجري. قرأت (طه) حسين والعقاد ونيتشه. المعلمون ساعدوني في القراءة، وأصدقاء أخي. القرآن لم يستهوني أبدًا في تلك الفترة.

نشرت أول قصيدة: «حب يموت»، في مجلة عربية أسبوعية: «حقيقة الأمر» (في 14 أو 15 من عمري).

في المدرسة، لما كانوا يسألونني، كنت أجيبهم: «شاعر»، من دون أن أعرفه. بالنسبة إلي، كان (الشاعر) الشخص الذي يقول كلامًا غريبًا.

ما فكرت أبدًا بمستقبلي المهني. ما دخلت إلى الجامعة. (حصَّلتُ) دراستي الثانوية في كفر ياسيف، وهي في الجليل، وقريبة من البروة: نضال، من دون التزام. تحول طيشي وطاقتي ضد دولة إسرائيل. كنت أنشر قصائد، قصصًا قصيرة، مقالات، بحيث إنني كنت أدفع (بعائد) المكافآت مرتبات مدرستي. دُعيت للمشاركة في مهرجان شعري في قاعة سينما «البستان». البواب رفض إدخالي، لأنه (المهرجان) مش للصغار، وأنا بالشورت. ألقيت قصيدة طويلة، عنوانها: «الشهيد»، واستقبلت استقبالاً حماسيًّا. مجلة «الجديد» نشرتها كاملة...

(*) مدونة كتبها الشاعر والناقد شربل داغر في صفحته الفايسبوكية.