د. صادق السامرائي

المجتمعات لا تتقدم وتكون بلا منارات علم ومعرفة وثقافة وفلسفة، وأقلام فكر ودراية تحفزها على التوثب والانطلاق الآمن الواثق الواضح المبين.

وعندما تخلو المجتمعات من أنوارها الدالة ومشاعلها المضيئة، فانها تتيه وتتخبط في الموعرات والدياجي الراسيات على صدرها، والمكبلات لحركتها وقدرتها على التواصل مع مفردات ما فيها من الطاقات والقدرات الإبداعية والإنسانية.

والتنوير العلمي سلوك حضاري بعيد الامتداد في أعماق الأزمنة والأمكنة البشرية، وهو تقليد يحقق التراكم المعرفي والادراكي الضروري لتشييد عمارات الحضارات الوطنية.

فالمجتمع العربي في عصور تفتحه وانطلاقه كانت تزدحم فيه مصادر التنوير العلمي ورموزها، وتقاليدها المتراكمة المتفاعلة المؤثرة برسم خارطة خطوات الأجيال، وتفاعلاتهم الكفيلة بإنتاجية فكرية نوعية متميزة ذات قيمة إلهامية وإرشادية وتواصلية قادرة على التوالد والعطاء الأصيل.

وفي عصور انحطاطها فقدت مؤهلاتها التنويرية وقدراتها على إنتاج الفكر وصناعة المنطلقات العلمية والمعرفية اللازمة للتفاعل البشري في أرجاء الأرض.

وقد مضت الأمة ومنذ أن سحقها التتار علميا ومعرفيا تتخبط في غياهب الغشاوات والحندسيات، وما أدركت حتى اليوم مواضع خطواتها، ولا إستطاعت بناء سكتها التي على الأجيال أن تمضي عليها في فضاءات التقاليد المعرفية العلمية، المولودة من رحم الذات العربية والمصدحة في فضاءات الفكر الإنساني.

لكن للأمة أطيارها التي بنت أعشاشها في مواطن غير مواطنها، ووضعت بيوضها ورعت فراخها وأنتجت فكرا إنسانيا يحسب على أنه من إنتاج أوطان أعشاشها.

وتلك محنة أمة أضاعت سواء سبيلها وتلثمت بماضيها وأسدلت الحجاب على بصائرها.

وما قدمه مفكرو الأمة في القرن العشرين وبعده لا يلامس جوهر المشكلة، وتناسوا أن القوة التي تصنع الحضارة وتساهم في النماء هي التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الأخرى، فبهذه العلوم تقدمت الشعوب والمجتمعات، وبدونها تهاوت وتلاشت، فالعلوم بأنواعها قادرة على صناعة المجد الوطني المعاصر.

إن التركيز على الدين والتأريخ وما يدور حولهما من تصورات ورؤى وطروحات، لم ينفع الواقع العربي على مدى أكثر من قرن، ولا بد للعرب في هذا القرن أن يثوبوا إلى رشدهم، ويتجهوا نحو العلم والإبداع التقني والتكنولوجي، وأن يساهموا بمحو أمية الناس وتزويدهم بما يعينهم على القوة والرقاء من العلوم المعاصرة، وبأساليب البحث العلمي الذي بدونه لا يمكن الوصول إلى حلول ومنطلقات للإقتدار الحضاري المعاصر.

فهل من نور علم لكي تنطفئ النيران؟!!