دكتور كميل موسى فرام

- سنوات الابتعاث الجامعي للتخصص الدقيق؛

- صعوبات الدراسة والتعلم وشقاوة الابنة فرح

تلقيت كمية كبيرة من الردود الايجابية المشجعة على فحوى ما ذكرت بمقالتي السابقة عن الظروف التي فتحت لي طريق السعادة بالزواج، وقد نقلتها بحرفية وأمانة تجسد النهج وشرحت بما تسمح معطيات مادة النشر والتوثيق لتكون بوقت معين أو ظرف عبرة للآخرين الذين يجدون فيها خطوة صحيحة، فحكمة الزواج تمنع ترحيل ظروف التفاهم للقادم من الأيام، فالغد وعد لمزيد من السعادة ورصف طريق المحبة بمعطيات، لا يجب أن نشغل جزءاً من ثوانيه بعتاب أو فتح صفحة من الماضي لنقاش لم تحدد نهاياته،

تلقيت كمية كبيرة من الردود الايجابية المشجعة على فحوى ما ذكرت بمقالتي السابقة عن الظروف التي فتحت لي طريق السعادة بالزواج، وقد نقلتها بحرفية وأمانة تجسد النهج وشرحت بما تسمح معطيات مادة النشر والتوثيق لتكون بوقت معين أو ظرف عبرة للآخرين الذين يجدون فيها خطوة صحيحة، فحكمة الزواج تمنع ترحيل ظروف التفاهم للقادم من الأيام، فالغد وعد لمزيد من السعادة ورصف طريق المحبة بمعطيات، لا يجب أن نشغل جزءاً من ثوانيه بعتاب أو فتح صفحة من الماضي لنقاش لم تحدد نهاياته،

وهنا اكرر أن اعتماد أغنية أميرة الغناء العربي وردة الجزائرية «في يوم وليلة» وكاتب كلماتها العبقري حسين السيد، بلحن موسيقار الجيلين محمد عبد الوهاب كدستور عائلي لأنها قد ترجمت بناء عش الزوجية بالتفاهم وكأن الأغنية كُتِبَت لي ولزوجتي المهندسة ريندا غرّيب، ففقرتها الثانية الرائعة قد نقشناها أيضا على بَردى محبتنا دستوراً نعتز به ونطبق فقراته بذكريات وحاضر ومستقبل وهي تقول:

«ياللي كان طيفك على بالي وانا بتمناه

مش حتصدق ايه كان حالي قبل ما القاه

كنت بحسد كل فرحه اشوفها بين قلبين

كنت اغير من اي نسمة حلوة بين حبيبين

ولما صحيت على حبك، وشفت الدنيا من عندك

اتمنى لو كل العشاق بيحبوا زي انا ما بحبك

يا حبيبي كنت واحشني، من غير ماشوفك وتشوفني

والقدر الحلو اهو جابني، وجابك علشان تقابلني

اتارينا كنا تايهين ولقينا، اجمل ايام ليالينا

واحنا فيها لوحدينا، ومين يصدق يجري ده كله

ونعيش سوا العمر كله، في يوم وليله.»

وعودة لمشوار الاختصاص وبعد الحصول على الموافقات الإدارية اللازمة للابتعاث إلى جامعة سيدني برفقة زوجتي وأبنتي فرح التي بلغت عامها الأول هناك، كان هناك بعض الصعوبات الممنهجة والمبرمحة لاعاقة أمر البعثة الدراسية ببعدها الزمني، واسبابها غير المعلنة تصفية حسابات بين كبار، فأستُنْزِفْتُ بالوقت والجهد حتى تمكنت من إيصال وضعي المحايد لأصحاب القرار بضرورة التقيد بتعلمات الإيفاد، وأنني سوف أفقد الشاغر إن لم ألتحق بالعمل في الوقت المحدد، فاحترام الوقت والتعهدات هي من أساسيات نجاح وتقدم شعوب المجتمعات الغربية، وبعد مشقة وعناء، تقدمت بطلب استقالة من العمل بالجامعة حسب التعليمات النافذة لأجل الإيفاد، وبدأت رحلة الأفكار باعتباراتها وتصوراتها مغلفة بثوب القلق بكل جوانحها، وبدأ عداد الانطلاق بالتحضير للسفر والابتعاد عن الوطن والأهل بظروف مادية محاصرة رسمت غيمة في عالمي للمستقبل القريب، ولكنني أعشق التحدي وأرفض الانهزام للواقع، وبدرجة من الاجتهاد ضمن فاصل النوايا الطيبة، فقررت المغامرة بالسفر بصورة عائلية وأنا أدرك تماما أن مجالات الصعوبات متشعبة بين التأقلم والعادات التي سنعيش فيها، والأهم من ذلك كله تدبير الأمور المادية التي تضمن الحياة الكريمة بصورتها المتواضعة كطموح مبدئي، فتعليمات الجامعة تمنحني راتبا شهريا محددا لم يف بالأجرة الشهرية للشقة التي استأجرتها دون دفع الفواتير الشهرية؛ الكهرباء والغاز والتلفون، كما أن المنطق يفرض مصروفاً شهرياً للحياة العائلية بمتطلباتها الحياتية، وهناك بند نفقات للسيارة المتواضعة التي امتلكتها بسبب صعوبة استخدام المواصلات العامة، وهنا، أوجز بأساسيات البقاء فقط دون العبث بالرصيد المادي الذي جمعته بسنوات التعب والدعم العائلي وثمن السيارة التي كنت أملكها، فكان من الواجب أن أتجرد من ثوب الاحراج والحديث مع رحمة الوالد بشفافية لم أتمالكها إلا عبر الحديث التلفوني ليقاطعني بالقول بتخصيص مبلغ مادي من العائلة وشهري يضمن حياتي بالصورة ألتي أحلم فيها، عبارات ووعد ساهم بزوال غيمة سوداء حجبت شمس التفاؤل لأيام ووضعت النقاط على الحروف بالتوضيح والفعل، لأتفرغ لرسالة الابتعاث مجردا من الهموم بوعد أن أنهل وأستفيد بالقدر الذي يسمح لي بامتلاك مهارات جراحية متميزة، فخلفيتي العلمية ومعلوماتي بدرجة تسمح بالمنافسة يقابلها ضعف بالأداء الجراحي ضمن أبجديات سمحت فيها ظروف الاقامة والتدريب دون توضيح، فكان برنامج دوامي الاسبوعي يبدأ في تمام الساعة السابعة صباحا ويمتد للسابعة أو التاسعة مساء حسب ظروف العمل الموزع بمستشفيات متباعدة، دوام طويل ومنهك ويحتاج لدراسة يومية لتحديث المعلومات الطبية أو إنعاش للذاكرة بما تحتفظ في أرشيفها، ولسبب الظروف المادية المحاصرة على المستوى الشخصي التي تتطلب التقنين بالصرف، التزمت بتحضير وجبة غذائية للغداء أتناولها عندما يسمح وقت العمل بذلك، فالمشرف على دراستي وتدريبي يمتلك من المهارات الجراحية بكلتا اليدين سحرا لم أشاهده، ولدية القابلية والاستعداد للعمل المتواصل بغرفة العمليات على مدار الساعة دون كلل أو تذمر، وكنت بحكم الاتفاق والعمل والابتعاث المساعد الأول خلال الشهور الستة الأولى من فترة العمل الممتدة من صبيحة يوم الاثنين تاريخ 29/06/1996، حاولت بجهود مضاعفة أن أهذب مهاراتي الجراحية لتكون مفتاحا للانتقال للمهارات الجراحية المتقدمة بجراحة الأورام النسائية، خصوصا لتوأمتها بفترة حرمان من العطلة الاسبوعية المقررة، ويغلفها نظرات عتاب وألم على إصراره بحرماني من أي مكافأة مادية وبأي نسبة تساعدني ضمن حدود الأتعاب الطبية بالقانون لأنني طبيب مرخص للعمل وأستحق أتعابا طبية كمساعد للجراح بنسبة 10% من أجرة العملية، ولكن نتيجة التوقيع على تعهد أثناء مقابلة القبول السابقة بعدم المطالبة بأية حقوق مادية، فقد وافقت ووقعت على التعهد بكل حرية ورغبة، فاحترمت بنودها المجحفة وعوضني عنها اكتسابي لمهارات ألحفتني بثوب الثقة أثناء العمل حتى الساعة، فالعمل داخل غرفة العمليات الجراحية والتعامل مع الأعضاء داخل تجويف الحوض والبطن ضمن خلفية علمية منافسة وتحديدا بمجال الأورام السرطانية في الحوض والبطن، معزوفة عشق فيروزية عوضتني عن الأمور المادية (بالرغم من حاجتي الماسة اليها وأهميتها) وربما في ذلك حكمة لمصلحتي أيقنت قيكتها ومعطياتها عندما قارنت فرص التحصيل والتدريب والعمل والمستوى في الكسب مع زملاء بنفس المهمة في فترات مختلفة ومدارس تدريب متنوعة وقد صرفوا جزءاً من الوقت بالعمل بعيدا عن ظروف التخصص الدقيق حسب معادلة يصعب الحكم على كتفيها أو ترتيب أولوياتها، فالخلاصة والمقاصة غير مقارنة بالأداء والنتيجة، وبالرغم من الظروف الصعبة والشاقة التي رافقتني إلا أنني كنت أمينا مع ذاتي وقنوعا بما أكسب أو اشاهد معتمدا على الغد الذي فتح الأبواب للعمل بدون معوقات.

المشرف على التدريب الدكتور ألن فارير، انسان جدي لأبعد الحدود يبتسم بحساب، يوضف علمه ومهاراته للعمل، كان جديا بكل سلوكياته، لا يجامل أو يجهد، مراقب دقيق، لأتلقى اتصالا هاتفيا من سكرتيرته بموعد مقابلة بنهاية دوام الاسبوع الأول من شهر تشرين الأول 1996، مكالمة خلطت معطيات حياتي بالتفكير عن أسبابها وبدأت بوضع الاحتمالات والبدائل بين الخوف والتفاؤل لتمر الدقائق أياماً حتى الموعد ليفاجأني بالقول أن هناك ضعفا واضحا بمهاراتي الجراحية الأساسية التي لا تسمح مستوياتها بتطويرها للجراحات المتقدمة وقد وضع اقتراحا جهنميا بالعودة للآردن لسنة واحدة ووعد بالمحافظة على الشاغر، لأتعلم فيها أساسيات العمل الجراحي، كلمات وحلول أحدثت بركانا حياتيا وهو يعتقد بسهولة الأمر كما هو الحال هناك، وبمناقشة اعتمدت على الحقائق والصدق مقرونة بظروف الايفاد والفرص المتوقعة من اقتراحه، كان هناك اجماع وقناعة وموافقة لمنحي فرصة أخرى على أن أبذل المزيد من الجهد والوقت وساعات عمل مع الزملاء في المستشفى ليكرر التقييم بمدة زمنية ممتدة لثلاثة شهور قادمة وهي الفترة الأقسى التي تكللت بشهادة وموافقة رضى تسمع بمنحي حرية عمل جراحي كجراح مساعد دون حذر وخوف ثم الانتقال لمرحلة الجراح الأول تحت الاشراف المباشر من قبله ويعاد خلط وعودها حسب الأداء على أرض الواقع لأمنح اسقلالية كاملة محجمة بعد مضي السنة الأولى من فترة الابتعاث وهي السنة الأصعب في حياتي لمتطلب اثبات الذات في بحر العالم الجراحي المتطور، فقواعد الأداء تتطلب جهودا مضاعفة لتحديات مستقبلية بعد عودتي ضمن مراهنات أرهقت التفكير للبعض الذي يشغل أوقاته بأنوار الآخرين محللاً وناصحاً ومخططاً مع فريق زفة يشعره بخطوات الاتجاه الصحيح بظلمة تسير إلى نهاية النفق المظلم.

الشغل والعمل والدراسة استنزفت معظم الوقت ولا أتذكر أنني نلت أكثر من ساعات بعدد أصابع اليد للاستراحة أو النوم، وبلغت ابنتي البكر والوحيدة فرح بذلك الوقت سنتها الثانية وبدأت ترسم لنا حركات الفرح والسعادة مع فترة شقاء تعددت صورها، فهناك حرب مع إحدى الجارات في البناية التي نقطنها وتحديدا بالشقة الأرضية التي نعلوها، حيث الشغب المتمثل بعدة صور ويخلص بإقلاق راحة الجارة الكريمة وهي استرالية الأصل تعيش بمفردها، فأصبحت الشكوى يومية بكلمات تتدرج من الرجاء لمرحلة التهديد، والجواب واحدٌ، أن بطل الأمر طفلة وحيدة عمرها سنتان تعبر فيها عن الوحدة لعدم وجود أطفال للشقاء معهم، فمثلاً، كانت فرح مغرمة بارتداء حذاء زوجتي ذات الكعب العالي وتطرب لصوب الكعب على الباركية الخشبي اعتقادا منها أن هذه لعبة تسليها، وبالرغم من محاولات ضبط الأمر أثناء وجود الجارة بالمنزل، إلا أن هناك تجاوزات بحكم الوقت والانشغال بأمور الدراسة والعمل، ليتعقد الأمر بممارسة فرح للعبة نهارية بقذف قطع الليجو من البرندة الوحيدة المطلة على حديقة التنزه الملاصقة للمنزل، وبعض من هذه القطع يتجمع في برندة الجارة بدون قصد، فاساس الحركة طفولة تعبر عنها والتي اعتبرتها جارتنا الكريمة عدوان من نوع آخر على حريتها بهدف الاقلاق بالرغم من الاعتذارات المتعددة من قبلنا والتي لم تسعف لنهاية سلمية للصراع، لأفاجأ بإنذار من البلدية نتيجة شكوى مقدمة بحقنا، وصاحبها رجاء من مالك الشقة المؤجرة بضرورة احترام سكينة الآخرين لأنه يعتقد أن مسؤولية الأهل تفرض سلوكا معينا على الأطفال، والخطأ يحاسب عليه الأهل دون الاكتراث بظروف الآخرين وهي أحد شروط عقد الايجار.

الشقة التي سكنتها خلال فترة الايفاد ذات مساحة محددة، فالمكتب الدراسي اليومي هو طاولة السفرة التي نستخدمها لتناول وجبات الطعام بصالون المعيشة الصغير، بسبب صغر حجم المطبخ، مؤثثة بأبجديات الحياة الكريمة من تلفزيون للتسلية وطقم كنب خشبي لاستقبال الضيوف، وهنا اسجل، بمعظم الجلسات الدراسية كان هناك سيناريو يفرحني ويحرجني حيث الاصرار من قبل الابنة فرح بمشاركتي بالدراسة والجلوس بحضني لأنني عشت وما زلت للحاضر اليوم لا أحتمل بكاء أو غضباً لأي من أبنائي، وفي كل مرة كانت هناك محاولة التواء فاشلة بأن أحضر لها ورقة للرسم والخربشة، شكل ما أشكال الاطلاء ولكنها سرعان ما تستبدل قلمها بما أملك لنقل الخربشة على صفحات كتابي لنخوض معركة صمت وتهدئة حيث هُزمتُ بمحبة، وفي ذات مناسبة ونحن نحتفل بعيد ميلادها الثاني، بدأنا حوارا عائليا وأخبرت زوجتي بقراءة مستقبلية لمستقبل الابنة فرح بأنها ستكون طبيبة مميزة عن رغبة بالمهنة، وقد سارت على الدرب العائلي متميزة بسنوات الدراسة المدرسية، ليتكلل نجاحها بترجمة طموح نما وترعرع ضمن بيئة صحية مشجعة بدخول كلية الطب، ونحن اليوم وعلى المستوى العائلي بدأنا التحضير للاحتفال بتخرجها من الجامعة الأردنية الأم بعد شهرين من الزمن.. وللحديث بقية.