د.أسماء سالم

«الخذلان» كتابٌ أدبيٌّ وفكريّ مُكوّنٌ من ثلاثٍ وعشرينَ نصّاً قَلِقاً وغنيّاً. فيه دعوةٌ جادّةٌ إلى الكتابة -تلك الذّاتُ الجديدةُ التي تَفسحُ المجالَ لوجودٍ آخَر وللشُّعورِ بالاستقرار- بأيِّ طريقة، لتجدَ نفسَك، وتحقّقَ إرادتَك، وتُواجِهَ واقِعَك، وتصنعَ عالَمَك، ودعوةٌ إلى الفعلِ الجديدِ والحِراكِ الثّوريِّ والتّحرُّر.

"الخذلان» للكاتب غاندي النعانعة، مُحاكَمةٌ للزّمان والإنسان، كلاهُما إزاءَ نفسِهِ وإزاءَ الآخر؛ وتَعَدٍّ للخطابِ الأيديولوجيّ في سياقاته إلى المظاهر الشّموليّة والتّفسير والبحث عن الحقيقة، برصدِ وعيِ المثقّفِ وجودَهُ والسّلطةَ (سُلطة الفنّ، سلطة النّصّ، سلطة اللُغة، سلطة الزّمن، سلطة الأيدولوجيا...). وهو قراءةٌ واعيةٌ لأثر التّجارِبِ الحياتيّة على الكتابة الإبداعيّة، وأثرِ التّحوّلات الفكريّة وظهور السّلطاتِ الدّينيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والنّظمِ الاقتصاديّة كالاشتراكيّة والرّأسماليّة؛ بانحيازٍ نصّيّ إلى التّعبير عن أزمةِ الإنسانِ وهمومِهِ الوجوديّة، بُعيدَ ظهورِ المادّيّة والتّعامُلِ معَهُ كآلةٍ وشيء، إيماناً بالوجوديّة فكراً وفلسفةً ومقولات لا سيّما القولَ «الوجودُ سابقٌ على الماهيّة»، لرؤيتِهِ الخاصّة في فَهْمِ الحياة وأثرِ فعلِ الكتابة في تحقُّقِ الوجودِ ووعْيِ الذّات وتقبّلِ الآخر والخروجِ على المألوف والنمطيّة.

"الخذلان» كتابةٌ تُراوح بينَ المعرفيّ والسّيريّ، خلْقاً للانسجام، وبينَ الشّموليِّ الإنسانيّ والوجدانيّ الذّاتيّ، في كشفِ الإحساسِ بالخيبةِ والخنوعِ والهزيمة والاستسلام؛ إلّا أنّها تؤمن بالعَمَل والثّورة والأمَل، وتُعرّي الزّمنَ والتّاريخيّة؛ وأنموذجٌ للكتابة النّصّيّة المفتوحة الدّاعية إلى تجاوُز المادّيّ إلى القيميّ والعزلة إلى الانطلاق. و«الخذلان» كذلك، نصٌّ كبيرٌ يلملمُ شَتاتَ الإنسان، وينفتح على عوالم خارجيّة وداخليّة معقّدة، في نصوص صغيرة لا تعترف بالقديم والجديد بل بالإرادة في خلق المُغاير نصّاً وواقعاً، مؤمنةً بقدراته في سياقِهِ الذّاتيّ بعيداً عن الأنساقِ المتعارفِ عليها.

إنّ تَجرِبةَ الكاتبِ النعانعة في «الخذلان» ترجمةٌ لهمومِ المثقّفِ المأزوم والفنّانِ الذي يَشي بالحاجةِ إلى وجود آخر للتّواصل، من خلال التّماهي المُعبّر عن آلامِهِ وآمالِهِ ومُحيطِهِ وما يعانيه الإنسانُ المعاصر، في صورة محسوسة لواقعه وعلاقاتِهِ بذاتِهِ وغيرِهِ والكون. ويبرز فيه تماهي الذّات مع النّصّ الأدبيّ وخضوعُها لسُلطة الزّمن؛ فالنّصّ انعكاسٌ لكاتبه ووجودِهِ ومَصيرِه، يتشكّل فيه ومنه، ليقولَ ما لا يقال، مصوّراً واقعَ الخوف وفقدان الأمان؛ نعم، «تُشبهُني أيّها النّصّ، فيك الخوفُ لا يكونُ إلا كما أصابني، مِن قَبلِ عُوارِ فَحواه، وكذلك الحزنُ والألمُ المُكرّر»، رُغم الإيمانِ بأنّ وجودَ الإنسانِ يكمنُ في إرادتِهِ وتجاوزِه -واقعاً ومُتخيّلاً- هيمنةَ الصّمتِ إلى الصّوت. وبينَ حضورِهِ وغيابِهِ -ذوباناً- تَوالدتْ نصوصُهُ ومعانيها، مُتعامِلاً معَ مبدأ مهمّ هو الذّاتيّة، ومنحازاً إلى التّجريديّة في قراءةِ النّصِّ والسّلوكِ الاجتماعيّ والثّقافيّ والسّياسيّ؛ فالذي يقرأُ النّصّ هو نصٌّ في ذاتِه.

لقد استطاعَ الكاتبُ التّعبيرَ عن رؤيته بلغةٍ مُحكَمة، مُدهشةٍ وشجيّة، تحنّ إلى المُطلَق، إلى ما قبلَ الوجود، وإلى الإنسانِ الأوّلِ حرّاً دونَما قيود، في مقاربةٍ عميقةٍ بينَ الإنسانِ وبدايتِه وعلاقاته ونهايته والنّصِّ وتكوينِه وأنساقه وموتِه، وكأنّ دورةَ حياةِ الإنسان هي دورةُ حياةِ النّصّ وجوداً وحقيقةً وتشكُّلاً وإرادةً ورمزيّةً وقدسيّة. ومن هنا يتجلّى إسقاطُ ما يتعلّقُ بالكتابة على الواقع، تعبيراً عن رؤيةٍ نقديّة للذّاتِ والمجتمع والعالَم، كما نجدُ أنّ الكاتبَ قد توحّدَ معَ كتابتِه، فعايشَها كما عَاشَها، ونجدُ النّصَّ حيناً ينمو داخلَه، بينَما نما هو في داخلِه، مُتحرِّياً إجابةً شافيةً تكشفُ حقيقةَ وجودِه بعيداً عمّا يعتوِرُه، رغمَ هزيمتِهِ أمام سلطة الزّمن أولاً وسلطةِ اللغة ثانياً في قراءةِ النّصّ والذّات؛ فما قبلَ الوجودِ يقتضي الوجود، والولادةُ تقتضي الانفصال، والانفصالُ يحتكمُ إلى الوعي والكينونةِ والتّشكُّل دونَما تدخُّل، هكذا الإنسانُ وهكذا النّصّ، وكأنّه مُوازٍ بصورتِهِ الكلّيّة لعوالمَ نعيشُها، ومحاكاةٌ لاشعوريّة لروحِ الكاتبِ شكلاً ومضموناً.

ويبدو العُنوانُ مُنسجِماً معَ الغلاف المُعبِّرِ عن جحيم الخوفِ والعُزلة، ودالّاً على موقفِ الكاتبِ من الحياةِ بتصويرِ خيبتِهِ في فَهمِ وجودِهِ وحقيقته، فـ «مَن أنا؟ إذا كان أسلوبي وعالَمي وتمايُزي واختلافي مُهدّداً بالخذلان»، مُنتهِياً إلى أنّ وجودَ الإنسانِ المُعاصر وظروفَه وآلامَه بحاجةٍ إلى إعادة قراءةٍ وتشكيل، قبلَ قراءةِ الثّوابتِ والمتغيّرات بما يتناسب مع الآمالِ والطّموحات، ويُجنّبُهُ الفشلَ واليأس، يقول: «إنّي أريدُ قراءتي/ فلستُ كما أبدو لكم/... إنّي أريدُ قراءتي/ على أنّني لم أجدْ ما أردتُ من مسرّتي/ إنّي أريدُ إعادةً لكتابتي"؛ عاكِساً حزنَهُ الوجوديَّ إِثرَ سلْبِ إرادتِه وضياعِه واستعبادِه، ضمنَ تاريخٍ موهومٍ جَعلَ وجودَهُ بلا قيمة، فـ «لا أذكرُ أنّي اخترتُ لغتي/ ولا انتقيتُ هذه الكلمات/ ولكنّ الطّبيعةَ أجبرتْني/ على الاعتراف/ وعلى التّشكّل/ خلفَ أنساق الزّمن»، ذلكَ الزّمن الذي قَهَرَهُ وخذلَهُ، زمن الوهمِ وغيابِ الحقيقة والانتكاسِ والشّتاتِ والهزيمة. وقد أوحَتِ النُّصوصُ -متناً وعنونةً- بهذا، للدّلالةِ على خيبةِ الرّجاء رغمَ محاولةِ تجاوُزِ الأزمات والتّناقضات التي خلقتْ تناحُراً مُقلقاً؛ وجعلتْ إنسانَ هذا العصر كائناً ضعيفاً، مسلوبَ الإرادة، وغيرَ متصالحٍ معَ نفسِه، وغيرَ مُنتمٍ، ووحيداً مُنعزِلاً، ومُغترِباً مُنفصلاً، ومُبعثَراً مُستسلِماً، نازعاً إمّا إلى النّسيانِ أو الإيهام، لا معينَ له للوقوف على الحقيقة، سوى الفِرارِ إلى فعلِ الكتابة؛ إذ «لا بدّ من إحداث جلبةٍ ما حتّى يبدأَ تاريخُ الشّيء».

أمّا مقدمّةُ الكتابِ الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون»، فهي مُهمّة؛ إذ تنبضُ بتداعياتِ الذّات، والمونولوج، والدّراميّة، وتُهيّئُ للحديثِ عن أزمة الإنسانيّة، بأزمة النّصّ الأدبيّ لانعكاسه عنها وعن واقعها، في نثريّةٍ مُدهِشةٍ ذاتِ أفكارٍ ومبادئَ وجوديّة: الذّاتيّةِ والإرادةِ والمسؤوليّةِ والقلقِ والاختيارِ والحرّيّة، تناولَت أثرَ الزّمانِ والمكان في وجود الذّات وانطلاقِها، ودورَ الكتابةِ الأدبيّة في صقلِها وتحقُّقِ وعيها وقيمتِها، مُركّزاً على همومِ الإنسان وآلامِهِ ويأسِه وعبثيّةِ وجودِه وعزلتِه وقلقِه ومصيرِه المُحتّم بالموت والعَدَم، وعجزِه وصراعِهِ وخوفِهِ وتوهُّمِهِ واحتكامِهِ إلى فعلِ الزّمن، وبحثِهِ عن الحقيقة والعدالة.

وأمّا المضامينُ ففكريّةٌ وفلسفيّةٌ وإنسانيّة، تعبّرُ عن المعاناةِ والقلقِ الوجوديّ، نتيجةَ اهتزازِ منظومةِ القيم الإنسانيّة، في عالَمٍ تحكُمُهُ سُلطةُ الزّمن، ويَشغلُها سؤالُ الجدوى/ القيمة، ما يدلُّ على التّشتّتِ والضّياع؛ فالقضيّةُ الأساسيّةُ كما يبدو تتمثّلُ في تيهِ الإنسانِ نتيجةَ الحِراكِ الزّمنيّ وأثرِ الماضي على الحاضر، إمّا قتلاً للحظةِ أو زيادةً في تأزُّمِها.

وفي سياق حضارة النّصّ واللغة أومأتِ النّصوصُ إلى الثّابت والمتحوّل وأثارِهِما منذُ التّرميز الأوّل؛ فالمعرفةُ بحدّ ذاتِها متراكمةٌ بفعلِ تدفّقِ الزّمن، وهذا ما يَشغلُها أيضاً، والفنُّ كما يرى الشّاعرُ الإنجليزيّ «كيتس» هو الطريقةُ الوحيدةُ لتجميدِ اللحظةِ ووقْفِ التّدفّق، على أنَّ الكاتبَ قد تناولَ هذا التّدفّقَ والتّحوُّلَ المجتمعيَّ والأيديولوجيَّ والاغترابَ وخطَرَ التّشيُّؤِ على الطّبيعةِ والوجودِ ومقولاتِ الحبّ والجمالِ والسّلام، مُنطلِقاً من جملةِ مفاهيمَ وقضايا معرفيّة وأدبيّة/ نقديّة كماهيّة النّصِّ الأدبيّ وتشكّلِهِ وتوالُدِهِ ومرجعيّتِهِ وارتهانِهِ بتراكمِ الثّقافات وتعدُّدِ التّجارِبِ والقراءات، وكذلك الزّمان والمكان، والقراءة والكتابة، مُفرّقاً بينَ الكتابةِ كفعلٍ توثيقيّ والإبداع كوسيلة لخَلقِ السِّحرِ في هذا الفعل، ومتناولاً الحداثةَ وما بعدَها، مُسقِطاً النّصَّ وأنظمتَه على الواقع، وماسّاً مَسّاً شفيفاً الشّكلَ والمعنى، والخيالَ والصّورة، والتّقليدَ والتّجديد، والقديمَ والجديد، والتّفسيرَ والتّأويل، ولا نهائيّةَ القراءات، والنّصَّ المفتوح، والبنيويّةَ، وموتَ المؤلّف، والتّفكيكيّةَ، والتّلقّي.

وتصوّرُ هذه النّصوصُ قلقَ المثقّفِ وتوتّرَه بفعلِ الثّنائيّاتِ والمتناقضاتِ التي أوجدَها الوجودُ فهيمنتْ عاكسةً أزمةً مثلَ: الحياةِ والموت، البدايةِ والنّهاية، الوجودِ والعدم، الصّوتِ والصّمت، التّجريدِ والزمكان، الشّيءِ واللاشيء، التّقييدِ والانطلاق، الذّاتِ والآخر، الدّاخلِ والخارج، الباطنِ والظّاهر، المادّةِ والرُّوح، النّورِ والظّلام، الوعيِ واللاوعي، الأحاديِّ والمتعدّد، الخاصِّ والعام، السّطحِ والعمق، المركزِ والهامش، البناءِ والهَدْم، التّبئيرِ والتّشتيت، السّعادة والحزنِ، الحقيقةِ والوهم، الجدوى واللاجدوى، الانتصارِ والهزيمة، الفعلِ واللافعل، الإرادةِ واللاإرادة، النّسبيِّ والمُطلَق، الانغلاقِ والانفتاح، الغيابِ والحضور، الاختيارِ والإجبار، الخنوعِ والتّحرّر...، وهي ثنائيّاتٌ ذاتُ نزعةٍ دراميّةٍ عالية، وقيمةٍ مفاهيميّةٍ فكريّة فلسفيّة، تعكسُ الصّراعَ المحسوسَ والمفارقةَ والجدليّة.

ومن هنا عُنيَ الكاتبُ بحُرّيّةِ الاختيارِ والانطلاقِ في فضاء الإبداع والحياة، مُعبّراً عَنِ التَّوْقِ إلى التّخلُّص من ألم الوجود والخنوع للموت، بصوته المأزومِ المتحدّثِ عن الذّات والآخَر، يقول: «جسدُك قارٌّ بالحقيقة أمّا روحُكَ فلا؛ إنّها لا تعرفُ من الحقيقة إلّا ما كان بدون جسد، وعندما تتشبّهُ لي نفسي عابرةً وحيدةً أُجاوبُ فقدي ببعضِ الانكسار، وأستخلصُ لُغتي من كلِّ صوت لأنفثَها في داخلِ الأرض التي إليها أنتسبُ وإليها أعود»، ومن جانبٍ آخَرَ بصوتِهِ الواعي الحَكيم والمُلمِّ أو العليم، كنتيجةٍ حتميّةٍ للتّشظّي بين الدّاخل والخارج، والتّذبذُبِ بينَ حديثِ النّفسِ للنّفس وحديثِها للآخَر، مُتجاوِزاً الخاصَّ إلى العام، والفرديَّ إلى الجَمْعيّ، والمقيّدَ إلى المُطلَق، إلى الحديثِ عن الإنسانيّة والإنسان، ومُنفتِحاً على الموضوعيّ والذّاتيّ الذي تكشّفتْ به أبعادُ تأزُّمِ الغَوْرِ الإنسانيّ، نتيجةَ الإحساسِ بغيابِ الحقيقةِ والإرادة، ونتيجةَ التّشرذُمِ والتّفرِقة، والنّزاعاتِ والصّراعات، وتلاشي الإنسانيّة، يقول مثلاً: «تبدأُ العَتمةُ بالتّلبُّدِ حتّى تَطغَى على العمل الإنسانيّ النّقيّ، وتُقبَرُ أبعادُه الفنّيّةُ في النّصّ، تبتعدُ عن أصولِها ليخبوَ النُّورُ فيها، وتطفُوَ جثّةُ الغريبِ والهشِّ على سطح العبارة، وتندحرَ جَزِعةً ممّا أعتقَها، وتبدو الكلمةُ حائرةً أمامَ أصلِها كما أنا حائر، وتغدو الكلمةُ لا تعرفُ الكلمة، ولا أنا أعرفُ نفسي، فتصعُبُ حكايةُ الإياب، ونبقى مسجونينَ في أَسَنِ مُستنقَعِ الحاضر».

وتكمنُ مُعضِلةُ وجودِ الإنسانِ كما يرى الكاتبُ في سَطْوةِ الزّمان، وخضوعِ الإنسانيِّ للتّاريخيّ، وتشابُكِ العَلاقاتِ وتعقُّدِ الحياة، وانهيارِ الحدود الفاصلة في ظلِّ الحضارةِ المادّيّة، وفقدانِ الإرادة، وغيابِ الإنسانيّة، والخنوعِ للمصير؛ فحقيقة الموت تكمنُ في الموتِ الفعليّ، وفي اللاجدوى واللاقيمة، وفي قتلِ الإبداع وخنْقِ الأفق، وفي أزمة الإنسانِ مَعَ الآليّة والتّشيؤ والسّلعيّة، إلّا أنّ الكتابةَ فسحةٌ للحياة وعالَمٌ مُغايِرٌ وسبيلٌ للخلاص، بحْثاً عن الخير، ونُفوراً من الشّرّ، وكذلكَ القراءةُ التي تنصهرُ معَها حدَّ الأُحاديّة.

ولعلّ الإرادةَ والمقاومةَ والأملَ الثالوثُ الأبرزُ في «الخذلان» لمواجهة الوجودِ والعدَم؛ كَوْنَ الإنسانِ ضحيةَ التّاريخِ والقلقِ المُتنامي، في واقعِ القمْعِ والسّلْب، وضحيّةَ الزّمانِ والمكانِ؛ فهو خاضعٌ بجسدِه ورُوحِه -فكراً ومُتخيَّلاً- لمجتمَعِهِ وَنُظُمِه، وواقعِه وجنونِه، وتاريخِه وثقافتِه، بلا قيمة، وعليهِ دارَتِ الألفاظُ حولَ الحياةِ والموتِ والقدَرِ والبدايةِ والنّهايةِ والوجود والصّراع والمصير والقلق والحزن والضّياع.

وأخيراً وليسَ آخراً: لغتُهُ لغةٌ عاليةٌ مُشعّة، بعيدةٌ وإن كانت قريبة، جميلةٌ وشيّقة، وفي غيرِ موضعٍ شاعريّة، تنزلقُ من مُخاطبةِ القارئِ إلى مواجهةِ النّفسِ وحوارِ الذّاتِ والآخَر، مُتجاوزةً حدودَ المسافاتِ الموهومة بينَ الأجناسِ الأدبيّة. لغةٌ ناضجةٌ وواعية، وذاتُ مرجعيّةٍ ثقافيّةٍ وفكريّة واسعة، لغةٌ مستقلّةٌ وعميقة، ذاتُ تشكيلٍ مائز، بصمةً وصوتاً، منها: «إنّي قطفتُ غوايتي من شجرةٍ خَواء، وأنطقتُ حروفي من جوفٍ أصمّ، وإذ بكَ تتعلّمُ أسماءَ اللَعَناتِ من حناجرِ التّقليد، وإذ بي ظننتُكَ يا نصُّ لا تُشبِهُ الأسماء».