تحولات عديدة طرأت على آليات توفير فرص العمل والتشغيل في المملكة، أثرت بشكل كبير على حجم هذه الفرص وطبيعتها، أحد التحولات هي تقلص عدد الوظائف المتاحة للشباب الأردنيين في الخليج خلال العشرة أعوام الأخيرة مقارنة مع فترة الثمانينات والتسعينات، كما يمثل تراجع عدد الوظائف في القطاع العام نتيجة لاستجابة الدولة الأردنية لحركة انسحاب الحكومات لصالح القطاع الخاص واقتصار دورها على الإدارة والتنظيم تحدياً آخر، عدا عن قصور الحكومات المتعاقبة في استقطاب الاستثمار في مشاريع كبيرة تستوعب العمالة الأردنية، كما أنَّ تحول المجتمع الأردني من نمط الحياة الريفية إلى الحياة المدنية أنهى بشكل كبير مصادر معتادة للعمل والدخل المعقول كتربية المواشي والزراعة البعلية وزراعة القمح والشعير وغيرها. وفي سياق آخر ساهمت الأحداث التي تعرضت لها البلدان العربية في العراق وسوريا بقوة في انحدار فرص العمل محلياً وخاصة في قطاعات النقل والصناعة والسياحة.

وتحت ضغط كل هذه التحولات العميقة بقيت ثقافة الترفع عن ممارسة بعض المهن والوظائف أو ما يسمى ثقافة العيب تراوح مكانها وخاصة في المحافظات حيث شاهدنا قبول المتعطلين عن العمل في العاصمة عمان في بعض الوظائف المحصورة سابقاً على العمالة الوافدة، ويبقى هذا العامل الاجتماعي عائقاً حاضراً أمام استغلال فرص العمل والتشغيل.

الغريب أنه رغم كل ما تعرض له الاقتصاد الأردني من صدمات وتراجع قدرته على توفير فرص العمل بقيت أعداد العمالة الوافدة في اضطراد مستمر وأستطاع بعض أفراد هذه العمالة الاستحواذ على مشاريع إنتاجية ومهنية ذات دخول مرتفعة، وتشير الإحصائيات إلى وجود ما يزيد عن مليون عامل وافد في الأردن، وهو رقم كبير قياساً إلى تعداد من يستطيع العمل من الأردنيين، مما يرتب على الحكومات الأردنية تحدياً اجتماعياً إلى جانب التحديات الاقتصادية.

الحالة الأردنية في اشغال الوظائف والمهن حالة فريدة تشكلت بفعل التحولات الكبيرة في العوامل المؤثرة في انتاج فرص التشغيل من جهة وعدم القبول الاجتماعي بالعمل في قطاعات لا تلقى اقبالاً من الشباب الأردني من جهة أخرى.

تحديات كبيرة حاولت جميع الحكومات التعامل معها ليس بهدف تقليص حجم البطالة فحسب بل كون الحد من تبعات هذه التحديات يشكل حلولاً اقتصادية مهمة في دولة تعتمد بشكل كبير على التحويلات المالية للمغتربين الأردنيين في الخليج، وفي ذات الوقت تشكل العمالة الوافدة استنزافاً لا يستهان به للاقتصاد من خلال خروج العملات الصعبة خارج السوق الأردني.

مسارات عدة وحلول يمكن للحكومة الحالية انتهاجها للتعامل مع هذه التحديات التي باتت مؤرقة للجميع، وما شهدناه من مسيرات واعتصامات للمتعطلين عن العمل مؤخراً هي شاهد على حجم تحدي تأمين فرص عمل مناسبة، وفي مقدمة هذه الحلول التفكير في مراجعة التشريعات والقوانين التي تنمي الاقتصاد الأردني وتدفع المستثمرين ورجال الأعمال نحو بيئة استثمار مُحفِزة، إضافة لوضع معايير وأسس للتعيين يشعر الجميع من خلالها بالعدالة وتنفذ هذه الأسس بكل نزاهة وشفافية بعيداً عن الواسطة والمحسوبية.

وزارة العمل الجهة الأكثر أهمية في هذا المجال مطالبة بمواصلة سياسة إحلال العمالة الأردنية مكان العمالة الوافدة وبكل صرامة وجدية، وقد يساعد في هذا تشريعات إلزام أرباب العمل في القطاع الخاص بتأمين نظام تأمين صحي للعمالة الأردنية وشمول الجميع بالضمان الاجتماعي دون تحايل وإخفاء لعدد الموظفين الحقيقي في مؤسسات التشغيل، ومتابعة حقيقية لتنفيذ الحد الأدنى للأجور، إضافة للتفكير في تقديم حوافز تقتصر على العاملين في قطاعات عمال النظافة والإنشاءات والزراعة كزيادة الراتب التقاعدي لهذه المهن، والتأمين الصحي المجاني.

Rsaaie.mohmed@gmail.com