يبدو أن تركيا ما زالت تتحكم بالمزاج العام للتجار والمستثمرين في الأردن، وهو ما بدا واضحاً من خلال عدة مؤشرات لا يمكن المرور عليها دون قراءتها، فالأتراك اليوم على حافة الدخول في حالة الركود والتراجع الاقتصادي الذي قد يقضي على الليرة التركية وعلى المشروع الإردوغاني، ورغم كل المؤشرات التي تؤكد الذهاب بهذا الاتجاه، إلا أن الأردنيين يرون أن الاستثمار في تركيا يعد خياراً أفضل بكثير من الاستثمار في الأردن.

تأتي الادعاءات حول حجم الإعفاءات التي يحصل عليها المستثمر في تركيا، بالإضافة إلى مجموعة من التسهيلات، لتبدو معها تركيا وكأنها جنة الاستثمار الموعودة، وهو ما دفع العديد من الاردنيين وغيرهم تصفية أعمالهم في الأردن والذهاب بشركاتهم ومصانعهم إلى الجنة الموعودة تركيا.

لا يمكن أن نلوم صغار التجار على ملاحقة عناوين كاذبة وطموحات جامحة والقيام بمغامرة غير مدروسة وعبثية، ولكن ما يدهشني هو كبار التجار وملاك المصانع، كيف يمكن أن تنطلي عليهم الخديعة التركية، كيف لا يقرأون تراجع الليرة التركية، ووجود ما يزيد عن 800 ألف شقة فارغة في اسطنبول، ولا يقرأون ما يؤشر إلى أن الاقتصاديات الصاعدة مثل الاقتصاد التركي سيكون الأكثر تضرراً في حال وقوع الكساد العالمي العام القادم كما تتنبأ المؤشرات الاقتصادية والمالية على حد سواء؟

يبدو أن الهوس التركي قد استولى علينا حدا لا نستطيع معه إعمال العقول، أو أن المستثمر وصاحب رأس المال بات جشعاً لدرجة لم يعد قادراً على استشعار الخطر وهو يجري خلف المال، أو علينا الاتفاق أنه لم يعد هناك ما يُسمى بـ(رأس المال الوطني)، وفي أية حالة من الحالات السابقة فإن اقتصاديات الدول النامية مهددة فعلاً من جشع أبنائها التجار والصناعيين.

الطريف بالأمر أن الدولة الأردنية لو قدمت الإعفاءات والتسهيلات التركية لجذب المستثمرين الأجانب لبدأت حملات تشويه مقصودة لمقاصد الدولة، وبدأت الاشاعات عن بيع أصول الدولة من أراض وعقارات، ولتم الحديث حول وجود مؤامرة لتغيير التركيبة الديمغرافية الأردنية من خلال عملية تجنيس المستثمرين الأجانب، ولتم الصراخ عالياً في وجه الدولة على أساس أنها تهدر حقوق مواطنيها بدعمها للاستثمار، بالإضافة لظهور طبقة جديدة من المحللين السياسيين الذين يتبنون نظرية المؤامرة.

لو أوقفنا اليوم الزمن وقررنا وقف كل النزاعات والصراعات التي اجتاحت المنطقة خلال السنوات الثماني الماضية، وأردنا إعادة الإعمار وبناء الإنسان، سنكتشف أننا نحتاج لثلاثة عقود على الأقل لإعادة الإعمار وبناء الإنسان، وهو ما يعني أننا أصبحنا فعلاً خارج مسيرة التطور الإنساني.

تركيا حتى اللحظة ترى نفسها في الجانب الرابح، خصوصاً وأن مواطني الدول العربية ينظرون لها باعتبارها نموذجا لا يمكن تطبيقه في دولهم، بالإضافة إلى رؤية كثيرين أن إردوغان زعيم يمكن الاقتداء به، دون النظر إلى ما يخلف الطموح التركي من خراب أو دمار أو ديكتاتورية.

أعتقد أن من قرر مغادرة الأردن للاستثمار خارجه وفي تركيا تحديداً سيخسر قريباً رهانه على تركيا.