التنظير له معانٍ كثيرة. منها طبيّاً: إجراء جرح لإدخال منظار في بطن مريض، في تلافيف مخّه في مرارته. المحيطون به: أهلوه حارته حوشه وربعه كثيرو الشّكوى منه: كثرة كلام ونقّ وتنظير... فاضي مليان. مرض مزمن تستدعي الحالة التنظير الطبّي للبحث عمّا يؤلمهم, هم ليس هو. في الداخل يوجد انتفاخات في شخصيّته ونفسيّته وسقف حلقه. وبقرار من الطبيب يُوْخَذ (ينفّس) الانتفاخ، وربما كان أمام شوفينيّة، يُقطع عرق غليظ نافر (عصبيّ عصابي) ويُكوي مكانه، بلاوي أخرى عديدة.

نحن هنا: نَنظّر في معانٍ تختلف عن مفهوم التنظير علمياً طبياً وأدبياً. أن يُنَظِّر المرء في عرفنا نحن البسطاء الغلابا يعني في غالبيته (يتفلسف يهاتي يسفسط يتفذلك). في التنظير والمنظّرين (سائلين كانوا أم مسؤولين!!), دعونا نرى:الخيّرون: من لا يملك إلّا التنظير في غياب إستطاعة الفعل.

يُنَظّر عن علم دراية خِبرة وتجربة بغرض الإفادة وتعميم الخير للمصلحة العامة, بلا ترتيب لمقعد كمقاعد السّلاطين...زمااان، أو مزيّن حاضر دوما لرفع خصلة تفلّتت من شعره/ شعرها أو من بقايا شعر كاااان. يضع النقاط على حروف الوطن وجروحه ,مهما كانت حارّة حرّاقة تؤلم البعض, واضحة ملموسة محسوسة بأسلوب هادىء مقنع بلا زيادة و نقصان, ينتقد بجرأة بالمعقول والمنطق سويّة بما يفيد من أفكار وحلول.

فالنقد بلا حلول يجعله كدابّة عرجاء, تبطئ وقد لا تصل، أو تقلب صاحبها عن سرجها. يقول ما في عقله ضميره بلا سفسطة بلا فلسفة بلا المنمّق المجعلك من الكلام بلا انتظار بلا استقطاب لتصفيق أو تهليل. ليس في يده سوى التنظير وما باليد حيلة.

لا مكان له وسط الزيطة والزّمبليطة ولا خبيز. الشّجاعة في القول والجرأة، تتوه وسط الغوغاء.

وآخرون... لا شيء لديهم (فشوش، من درجة الطُّشّ) مقلِّدون: يُنَظِّر بلسان الغير, يستعير لسانهم في حلقه. هو أصلاً بلا لسان سوى ما يساعده على.. البلع, والبلع هوأكثر ما يتقنه!. يكرّر ما يسمعه من هنا والكثيرمن هناااك يفلفل ويبهّر. لا يُنظّر إلّا في مشاكل وعيوب يزعم أن الوطن يغوص فيها- وهل من وطن لا مشاكل فيه!؟.. لن يكون وطنا- ينشر السوء والسوداويّة: الحال سيّء زفت, المواطنون يفرّون (وهل يفرّ المواطن الحقّ من وطنه!؟) يخترع السوء ليظهر بمظهر المفكّر المنظّر صاحب الرّأي والرّؤية، يجمع المريدين على شاكلته من حوله. ينشط سوقهم و سوداويتهم وسط الغوغاء التي يبرعون في خلقها.

والأهم.. (البعض) يُنَظّرمن مقعده, بفوقيّة. لا يرى حوله, أعشى الفكر والعينين. لا يعترف بمشاكل أزمنت شاخت كعجوز دردبيس. كلّه تمام يا.. فندم. لا يعرف (ما بده !!) يعترف بمشاكل الوطن والمواطن. ينظّرون في حلول عرجاء يصفق لها الكثير من (الهتّيفة) من يقلبون ظهر المجن في أوَّل فرصة, ولا قرار.

(القرار) لا يولد إلّا للشّجعان, حتى لو كان فيه تنظيرا يستلزم شقّ بطن عقل الذّات, يتطلّب جراحة و كيّ وتنفيس لها وللغير. قد يكون فيهم فالحون، لكن أطار واحد هابط في مركبة يعطّل سيرها أن لم يدر عنه السائق.

حما الله الوطن وحفظه من كلّ سوء. وقانا شرّ المنظّرين من فئة (تفلسف تفذلك تهافت قلّد وتعامى). ويبقى الوطن غالباً عظيماً منزّهاً عن كلّ عيب, حتى وإن وجد.