أبواب - ندى شحادة

تصاريح عمل مقابل آلاف الدنانير يتقاسمها أصحاب مزارع وسماسمرة

الخطيب: وزارة العمل حدت من الظاهرة لكنها لم تقض عليها

سعيد محمد - مصري الجنسية - قدم إلى الأردن هربا من عدم قدرته على الاستمرار في قطاع الزراعة في بلاده وتكبده خسائر كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج من مبيدات وأسمدة وبذور وأيدٍ عاملة.

يقول محمد بعت الماشية، ورهنت أرضي، مقابل القدوم إلى الأردن بهدف العمل في أي قطاع كان، فالزراعة في بلادي لم تعد تدر عوائد مالية مجزية».

تمكن أحد أقاربه العاملين في الأردن من تأمين تصريح عمل له عن طريق وسيط، مقابل دفعه 70 ألف جنيه (ما يعادل 2800 دينار أردني)، في حين أن رسوم التصريح الرسمية تبلغ 521 دينارا، ويجب أن تكون على حساب صاحب العمل وفقا للمادة 12 من قانون العمل الأردني.

حال «سعيد محمد» يعكس واقع مئات العمال الوافدين وخصوصا المصريين منهم، إذ يتعرضون لابتزاز سماسرة تصاريح العمل في رحلة بحثهم عن لقمة العيش.

تحولت تصاريح العمل الى سوق سوداء يضطر معها العمال المصريون الى سلوك طريق وعر بدفع مبالغ طائلة لم ينص عليها القانون يتقاسمها وسطاء واصحاب مزارع مخولين باستصدار تصاريح عمل، فيخدعون الوزارة والعمال في آن.

«$» التقت ثلاثة من الوافدين، اكدوا أنهم قاموا بدفع مبالغ مالية تتراوح ما بين 1800 إلى 2800 دينار أردني عن كل واحد منهم، لأحد أصحاب المزارع مقابل الحصول على تصاريح عمل.

إلا ان رحلة معاناة العمال الوافدين لا تنتهي عند هذا الحد، بل قد تمتد إلى العمل لدى آخرين مقابل اجر زهيد لساعات عمل طويلة، ومع ذلك يعمّد بعض أصحاب المزارع إلى التخلي عنهم بعد انتهاء المواسم الزراعية، وطردهم، وهذا ما حدث فعلا مع «محمد سعيد» الذي انتقل من مكان سكنه في المزرعة للعيش مع ثلاثة عمال آخرين في مسكن لا تتوافر فيه الظروف الصحية.

بدأ العمل لدى الكفيل الثاني في الانشاءات لساعات طويلة وشاقة لمدة ثلاثة أشهر براتب لا يتجاوز 200 دينار، لأنه: «يحمل تصريح عمل زراعي»، وبعد انتهاء تصريحه طلب أن يصبح كفيله صاحب عمل الإنشاءات فعاد لصاحب العمل القديم ليطلب منه الأخير مبلغ 400 دينار حتى يوقع على إخلاء طرف له للعمل مع صاحب العمل الجديد».

سمسرة تصاريح العمل

وأجرى أحد الوافدين المصريين مكالمة مسجلة بحضور «كاتبة التحقيق» مع أحد سماسرة التصاريح، فطلب الأخير مبلغ 2600 دينار لاستقدام أحد اقرباء الوافد عند فتح باب الإستقدام هذا العام.

وتبين المديرة التنفيذية في مركز تمكين للدعم والمساندة ليندا كلش أن: «السمسرة موجودة منذ فترة طويلة وللأسف لا توجد أي عقوبات رادعة أو متابعة لمكافحة تجارة العقود، وعدم وجود مكاتب لإستقدام العمالة المصرية كان سببا في تنامي تجارة العقود، بالإضافة الى عدم متابعة كوادر وزارة العمل لأوضاع العمال الوافدين».

ويقول الناطق الإعلامي لوزارة العمل محمد الخطيب: «رغم أن هناك قرارا صادرا عن الوزارة في عام 2016 ينص على وقف الاستقدام للعمالة الوافدة باستثناء العاملات في المنازل والعاملين في المناطق التنموية والعمال الزراعيين ضمن أوقات وضوابط محددة، إلا أن ذلك القرار لم يفلح في القضاء على ظاهرة السمسرة بل ساهم في الحد منها».

ووفقا للمفوض في المركز الوطني لحقوق الإنسان عاطف المجالي فإن: «المادة 3 من قانون العمل اشترطت وضع أنظمة وتعليمات خاصة بالعاملين في القطاع الزراعي الإ أنه ولغاية هذه اللحظة لا توجد أي تعليمات أو أنظمة تنظم القطاع بشكل فعلي».

ويضيف: «هناك اتفاقية بين الأردن ومصر لتنظيم العمالة المهاجرة الإ أنها لا تتناول أنظمة تحدد حقوق وواجبات كل طرف من الأطراف المعنية».

ويؤكد المجالي «عدم وجود أي عقوبات رادعة تحمي العمال المصريين، ولو كان هناك قوانين وعقوبات تنظم العمالة الوافدة في القطاع الزراعي لما وصل الأمر الى ما هو عليه الآن».

ويشير إلى أنه بعد استثناء العمال الزراعيين من تطبيق احكام قانون العمل، لم يصدر أي نظام خاص لتنظيم حقوق هذه الفئة منذ عام 2009 وحتى الان، وبالتالي لا توجد أي صلاحية لمفتشي وزارة العمل لزيارة المزارع والاطلاع على أوضاع العمالة الزراعية او متابعتها.

ويطالب المجالي بأن تكون هناك أنظمة وتعليمات في قطاع الزراعة تبين حقوق وواجبات العمال المهاجرين، ومتابعة المنشآت الزراعية لضمان تطبيق القوانين».

ويقول رئيس إتحاد مزارعين وادي الأردن عدنان الخدام إن: «التعليمات القديمة والجديدة الصادرة عن وزارة العمل هي التي سمحت بفتح باب سمسرة تصاريح العمل».

ويطالب: «بإبرام إتفاقيه بين مصر والأردن تحمي حقوق العمال الوافدين وأصحاب العمل وإقامة محكمة عمالية مختصة بحقوقهم، إذ أن معظم المشاكل تحل بشكل ودي مع أصحاب المزارع فلا توجد قوانين أو عقوبات يمكن أن تقف أمامهم».

ويبين المستشار في إدارة الحقوق المدنية والسياسية في المركز الوطني لحقوق الانسان فادي حجازي أن: «وزارة العمل تمنح تصاريح للعمل بالمزارع والأراضي الزراعية عن طريق طلب عدد معين من العمالة الوافدة بموجب كتاب من وزارة الزراعة ويتم استقدام العمالة الوافدة بمبالغ تصل الى ثلاثة الآف دينار مقابل التصريح الواحد."

ويؤكد على أن: «الدولة يجب أن تكفل العمالة الوافدة وليس الأشخاص ويشدد على ضرورة إعادة صياغة التعليمات الداخلية فيما يخص كفالة العامل واقامات وتأشيرات دخول العامل المصري لمحو الثغرات التي تؤدي الى التحايل».

ووفقا للبيانات الصادرة عن وزارة العمل فإن عدد العمال المصريين الحاصلين على تصاريح عمل خلال الفترة الواقعة ما بين 1/1 إلى 28/2/2019 بلغ (15966) عاملا، في حين بلغ عدد العمال المصريين الحاصلين على تصاريح عمل لعام 2018 (188962) عامل مصري.

ووفقا للخطيب فإن: «عدد العمال المصريين غير المصرح لهم بالعمل يقدر ما بين 450 – 500 ألف عامل مصري الا أنه لا توجد إحصاءات دقيقة بأعدادهم الحقيقية».

ويفيد أن: «هناك حملات تفتيش مشتركة بين الأجهزة الأمنية ووزارة العمل، وفي حال وجود عمال مصريين غير مصرح لهم بالعمل فإنه يتم تسفيرهم، ويبلغ عدد المفتشين في وزارة العمل 200 مفتش».

ويبين بأن مديرية التفتيش بالوزارة قامت بـ «94451» زيارة تفتيشية على منشآت ومؤسسات مختلفة في المملكة خلال عام 2018، منها «43442» زيارة حول شروط وظروف العمل.

إصابات العمل

وجود العمال المخالفين في العاصمة وحرصهم على لقمة العيش يعرضهم للقيام بمهام شاقة وصعبة قد تنتهي ببعضهم إلى الوفاة أو الإصابة بعاهات مستديمة.

جمال رمضان ضاحي كان يعمل على «سقالة» في إحدى البنايات قيد الانشاء، وأثناء وقوفه عليها ولتهاون أصحاب العمل في تأمين شروط السلامة العامة اختل توازنه وسقط عنها فمات على الفور.

ضاحي كان يمتلك تصريحا زراعيا ولكن لعدم دفع صاحب المزرعة أجرته لمدة أربعة أشهر اضطر الى الهروب للعاصمة والعمل في قطاع الإنشاءات الى أن لقي مصرعة.

وتنص المادة (46) من قانون العمل الأردني على ضرورة تسليم العامل أجره في مدة أقصاها اليوم السابع من الشهر الذي يلي الشهر الذي عمل فيه العامل.

ووفقا لمدير مركز الفينيق للدراسات العمالية أحمد عوض فإن: «هناك عشرات الشكاوى التي سجلت لامتناع أصحاب العمل (أصحاب المزارع) عن إعطاء العمال أجورهم بحجة خسارة الموسم الزراعي، إما بسبب انخفاض أسعار المنتجات الزراعية أو انهيار الموسم الزراعي».

مصطفى العدوي -شاب يبلغ من العمر 30 عاما -أضطر الى بيع مصاغ زوجته للحصول على عقد عمل في الأردن، وبعد مجيئه وعمله في إحدى الأراضي الزراعية لمدة ستة أشهر اضطر الى الذهاب الى العاصمة بناء على طلب صاحب الأرض، وبعد عناء وجهد كبيرين عمل على ونش لرفع مواد البناء الى الطوابق العليا في عمارة إنشائية قريبة من مستشفى الأمير حمزة في منطقة طبربور، وأثناء عمله سقطت على رجله قطعة إسمنتية كبيرة أدت الى قطعها على الفور.

اللافت في الموضوع أن «العدوي مكث» في المستشفى أربعين يوما، ولم يقدم صاحب العمل أية تعويضات أو مبلغ لتغطية كلفة العلاج، فاضطر أصدقاؤه الى جمع تكاليف المستشفى لضمان عودته الى مصر مبتور الساق.

ويبين مدير إدارة إصابات العمل والسلامة المهنية بالمؤسسة فراس شطناوي أن عدد اصابات العمل غير الاردنيين عام 2018 بلغت 1839 اصابة عمل و18 حالة وفاة.

ويفيد الشطناوي بأنه يشترط أن يكون العمال الوافدين مشمولين بأحكام الضمان الإجتماعي للإستفادة من تعويضات الضمان الإجتماعي فيما يخص إصابات العمل.

وتنص المادة (4) من قانون الضمان على ضرورة شمول جميع العاملين في الأردن وبدون تمييز بمظلة الضمان الاجتماعي.

وتشير كلش الى أنه لم يأت للمركز أي عامل زراعي مسجل لدى مؤسسة الضمان الإجتماعي وهذا يعني عدم حصولهم على أي تأمين لدى تعرضهم للإصابة أثناء العمل أو الوفاة.

ويبين مصدر (رفض ذكر اسمه) في ادارة التأمين الصحي الحكومي بأن التأمين لا يشمل العمالة الوافدة وانما يشمل المواطنين الأردنيين فقط.

ويطالب حجازي بتأمين العمالة الوافدة صحيا، لان المصري يجد نفسه في حيرة كبيرة حال تعرضه للإصابة أو عند المرض.

المادة 13 من قانون العمل الأردني تنص على أنه اذا اصيب عامل اصابة عمل نتج عنها عجز دائم جزئي لا يمنعه من اداء عمل غير عمله الذي كان يقوم به وجب على صاحب العمل تشغيله في عمل آخر يناسب حالته اذا وجد مثل هذا العمل وبالأجر المخصص لذلك، على ان تحسب حقوقه المالية عن المدة السابقة لاصابته على اساس أجره الاخير قبل الاصابة، وهو ما يعني أن العمال الزراعيين غير مشمولين بهذه المادة لعدم حصول آلاف منهم على تصاريح عمل.

العمل الجبري المحرم دوليا

يقول عوض إن نظام «الكفالة» المعمول به في الأردن لتشغيل العمال الوافدين المدخل الأساسي لغالبية المشكلات التي يعانون منها.

ويوضح: «النظام يفرض على العامل صاحب عمل محدد ولا يستطيع العمل في الأردن دون وجود صاحب عمل «كفيل» مسجل باسمه، وهذا من شأنه أن يؤدي الى خضوع قطاعات واسعة من العمال الوافدين الى الابتزاز خلال عملية استصدار تصاريح العمل بإجبار العامل على دفع تكاليف إصدارها على الرغم من ان الأنظمة النافذة تلزم صاحب العمل بدفع تكلفة اصدار التصريح».

ويرى عوض بأن تلك السياسات دفعت الى انتشار ظاهرة الاتجار بتصاريح العمل، حيث تنتشر ظاهرة السماسرة، اذ يقوم العديد من الأشخاص باستقدام عمال وخصوصا من «مصر» باسم مؤسسات غير قائمة على ارض الواقع (وخاصة في القطاع الزراعي) مقابل الحصول على مبالغ مالية كبيرة من العاملين مقابل اصدار تصاريح عمل لهم، ومن ثم يسمحون لهم بالعمل بشكل «حر» في سوق العمل، وهذا أدى الى تزايد أعداد العمال غير النظاميين (أي ليس لديهم تصاريح عمل) اذ انهم لا يقومون بتجديدها عند انتهاء مدتها (سنة واحدة). ويطالب بوضع حد لتلك الممارسات عن طريق الغاء نظام «الكفالة» المعمول به حاليا واعتماد نظام تصاريح العمل الحرة داخل القطاعات المسموح للعمال المهاجرين العمل فيها.

وتلفت كلش إلى أنه: «قبل سنوات كانت توقع عقود العمل في مصر، وفي ذلك الوقت كانت وزارة القوى العاملة تبين الحقوق للعمال الذين يودون الهجرة، ولكن الأمر لم يستمر، فالعقود الحالية تغيب عنها التفاصيل».

وتبين كلش: «العامل المصري لا يحق له أن يستقيل أو أن يترك عمله الا بموافقة صاحب العمل والذي عادة ما يمنعه من مغادرة الأردن أو العمل عند صاحب عمل آخر، بل ويتعرض للمشاكل من قبل رب العمل إذا حاول أن يطالب بحقوقه في بعض الأحيان».

وتضرب مثلا على ذلك بقولها: «محمد الدسوقي خير مثال على ذلك، فقد طالب صاحب العمل براتبه المتراكم فأعطاه شيكات بلا رصيد، وما أن رفع الدسوقي بها قضية على رب عمله لتحصيل رواتبه حتى سارع الأخير بوضع اسم الدسوقي لدى وزارة العمل كعامل فار، ورغم تقديم الأرواق التي تثبت الشكوى الكيدية لصاحب العمل الإ أن الوازرة رفضت إلغاء قرار الفرار على العامل».

التوقيف الإدراي

وبحسب كلش فإن العمال المهاجرين يتعرضون للتوقيف دون مبرر، فقد تعرض العامل المصري حمدين النجدي والبالغ من العمر (30 عاما) الى التوقيف الإداري ثلاثة عشر شهرا في حين أن قانون منع الجرائم يلزم الشخص المخالف بدفع غرامة وليس التوقيف».

وتشير كلش الى أن: «حمدين النجدي رفع قضية وحصل على تعويض قيمته الفي دينار وكان الحكم الأول من نوعه لصالح العامل المصري رغم قلة مبلغ التعويض مقارنة بالمدة التي تم احتجازه فيها».

ويقول حجازي إن قرارات الإبعاد عادة ما تتم من خلال وزير العمل وذلك بموجب الصلاحيات المخولة له، الإ أن مدة إبقاء العامل في مراكز التوقيف المخصصة للعمال المخالفين والذين لم يصدر قرار بإبعادهم لا تطبق عليه قواعد وأحكام القوانين التي تنظم عملية التوقيف ومدته، إذ أن مدة التوقيف قد تستمر لعدة شهور وبدون أي سند قانوني. ويقول مصدر قضائي رفض ذكر اسمه إن: «مدة الحجز تعود للحاكم الإداري والذي يشمل المحافظ والمتصرف، واستنادا لقانون منع الجرائم فإن الحاكم الإداري هو الذي يحدد مدة الحجز، وأعتقد بأنه لا يتم توقيف العمالة الوافدة أكثر من شهرين إلا إذا كان الأمر يستدعي ذلك كوجود قضية أمنية أو قضائية أو قانونية».

ويرى أنه: «لا يوجد أي تعسف في استخدام السلطة، حيث جرت العادة بأن تخاطب السفارة المصرية بخصوص العمال الوافدين لمتابعة أمورهم من قبلها».

ووفقا لبيانات وزارة العمل فإن عدد العمال المرحلين بلغ (6566) عاملا عام 2018 مقابل (7483) عاملا عام 2017.

وفي ظل وجود قانون عمل يشمل جميع العمال باستثناء العمال الزراعيين، فإن الانتهاكات لحقوق هؤلاء ستبقى قائمة بسبب هذا الفراغ القانوني، وسيبقى الاستغلال حقيقة مؤلمة والانتهاكات الصارخة بحقهم ماثلة، فهم الهاربون من لظى الفقر إلى دوامة السمسرة والإستغلال.. كالمستجير من الرمضاء بالنار.