عمّان - جمال عيّاد

مَن يلتفت إلى الجمال، في منطقة مشبعة برائحة أدخنة الحروب، والتوترات والصراعات المتسلسلة، وتشهد تراجعات متوالية في معدلات التنمية بشكل لافت؟ إنه القابض على (جمر) الحياة المدنية، التي بواسطتها تنهض المجتمعات اقتصاديًا، وتنطلق فيها آفاق الحريات العامة والشخصية. ومن هؤلاء، ممن يمتلكون نزعة الحب للفن، ممثلين بـ«أوركسترا حجرة الاتحاد».

الأوركسترا أحيت مؤخراً حفلاً موسيقياً، بقيادة كريم سعيد، على مسرح هاني صنوبر، في المركز الثقافي الملكي، في عمّان، إذ وقدمت ضمن إحدى فقراتها أداء السوبرانو ديما بواب، التي أمتعت الجمهور بشدوها العذب، الذي لم يخل من جمالية أخاذة.

وتجيء هذه الفعالية، ضمن الفعاليات الثقافية والفنية لمهرجان بنك الاتحاد، التي تختتم في 13 حزيران المقبل، بحفل لأوركسترا حجرة الاتحاد بعزف أعمال لبيتهوفن.

استهلت الأوكسترا، المؤلفة من 15 عازفًا، الحفل بمؤلف مميز لوولفجانج أماديوس موزارت (1756-1791)، هو لحن غرامي – سيريناد في سلم صول الكبير ملف 525، كتبه في العام 1887، وهو في الثلاثينيات من عمره.

نجحت الأوركسترا في إظهار موهبة التأليف الفطري لدى موزارت، من حيث إظهار قوالب موسيقية متعددة، فضلاً عن ضبط الإيقاعات، المعروفة عنه في أعماله الأوبرالية، فضلا عن التحليق بالإيقاع في فضاءات من المعاني المتنوعة الصاخبة تارةً والهادئة تارةً أخرى.

وكان العزف على مُؤَلف الأيطالي أنطونيو فيفالدي الغنائي (1678-1741) في القسم الثاني من الحفل، المعروف بـ«غضب إلهي»؛ مؤلف 626 وهو من ثلاث مقطوعات ترتيل كتبها في العام 1720، ينحو المعنى فيها بين الصراع بين المشاعر الآثمة والطاهرة التي تمور في النفس البشرية.

بينما المبنى الذي يتأسس على أسلوب فضاء فيفالدي كان حاضرًا من اللحظات الأولى للعزف، وكأن شكل الموسيقى عبارة عن فسيفساء، ولكنها تتوافق عن طريق تقارب نغماتها وثبات نبضها الإيقاعي.

كما برعت الأوركسترا في تنفيذ الشكل الموسيقي لمؤلف فيفالدي المسمى الريتورنيللو (ritornello)، وهو مقطع يتم عزفه بطريقة تكرارية تلقائية من قبل كامل أعضاء الأوركسترا عند بلوغ مفاتيح معينة في المقطوعة.

ثم انتقل الجمهور إلى التواصل مع فضاء مميز من المرح والخفة، على عزف مؤلفات الدنماركي كارل نيلسن (1865-1931)، وهو الثالث في برنامج هذا الحفل الأوكسترالي، بفعل أن مؤلفات مقطوعاته متعددة الإيقاعات والمواهب.

وذهب الأداء إلى المزج بين التلوين الموسيقي والخروج عن التناغم مع الانتقالات النغمية، وهو أسلوب خاص طوره نيلسن، موسيقاه زاخرة بالإيقاعات، غنية بألحانها المبتكرة، وتوزيعها الأوركسترالي المتناغم.

وهذا الأسلوب انطلق به من الرومانتيكية المتأخرة، وأفاد من التراث الموسيقي القديم، كالأناشيد الغريغوريانية، وموسيقى عصر النهضة، واستعمله في أعماله. وقد ختمت الأوركسترا بفالس وأناشيد غريغور الأنيق، المتأثر بشكل كبير بأعمال موزارت، ذات الألحان الشجية.

وكانت السوبرانو ديما بواب أدت بصوتها العذب بمشاركة الأوكسترا مقطوعة «أومبرا ماي فو»، للموسيقار الالماني جورج فريدريك هانْدل.

وتألق صوت بواب مع طبيعة الألحان التي كانت تأخذ أداءها، بين أعلى طبقة صوتية «السبرانو»، لتذهب في الأنخفاض إلى مستوى «الباس» وهو الأقل، وبينهما عديد من المستويات.