أبواب - غدير سالم



«ماما.. هاي صاحبتك اللي حكى عنها بابا إنها لئيمة, «تيتا.. ماما وبابا تخانقوا عشان انت بدك تضلي عنا أسبوع»، «بابا.. ماما حكت لجارتنا انك بتضلك تصرخ عليها».. هكذا ينقل الطفل الكلام ويكون جاسوساً على كل من في المنزل بتلقائية وعفوية تسبب المشاكل .

عفوية وبراءة الأطفال تسبب للآباء العديد من المشاكل بسبب بساطة وعيهم لما يدور حولهم، فنتيجة لهذه العفوية الشديدة ودون إدراك‏ قد يتسبَّب الطفل فى إحراج أبويه عن طريق نقل موقف معين لطرف آخر، سواء من العائلة أو الأصدقاء، أو غيرهم، حيث يلجأ الصغير إلى مثل هذا السلوك دون تفكير، فهو يجد نفسه متعاطفاً مع الطرف الذي ينقل الأخبار إليه‏، وأحياناً أخرى يكون تَجسُّس الطفل مبنياً على أمر من الأم، بقصد مراقبة أفعال إخوته ونقلها لها عند عودتها إلى المنزل، وفي حالة الطلاق قد يكون تجسسه مبنياً على أمر من الأم أو الأب على الطرف الآخر .

الطفل في هذه الحالة لا يصبح جاسوساً للأم فقط وإنما لكل فرد يتعاطف معه ويحبه، فتصبح عادة ملازمة له، وبامكانه أن ينقل حديثاً دار بين أمه وأبيه لجدته، أو بين أمه وجدته لأبيه، ويوقع العديد من المشكلات في العائلة دون أن يعلم ما يفعل.

ويرى علماء النفس أن وجود الطفل الجاسوس في محيط الأسرة يعني وجود خلل في التربية داخل المنزل‏، وأن دور الأسرة في تعليم أبنائها الصدق، والحفاظ على أسرارها يجنِّبه الوقوع في كثير من المواقف الاجتماعية المحرجة،‏ ويجب الأخذ فى الاعتبار أن المنظومة الاجتماعية تسهم بشكل كبير فى تشكيل وعي وسلوك الطفل‏،‏ مثل الأصدقاء ووسائل الإعلام والمدرسة، فالطفل يتأثَّر بالبيئة المحيطة، فلا بد من مراقبة كل ما يؤثِّر فيه».

كما أن الأطفال في بعض الأحيان يلجأون للفتنة كوسيلة للتعبير عن قلقهم ومشاكلهم، وكل ما يريدونه منا أن نستمع إليهم ونعرف مشاكلهم وما يقلقهم.

وتعرّف التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله الطفل الجاسوس بأنه :« هو الطفل الذي يقوم بنقل الأحداث والكلام الذي يسمعه بطريقة توقع الآخرين في المشاكل، ولا يقتصر نقل الكلام عن الأصدقاء بل يتجاوز أسرار البيت التي تسبب مشكلة كبيرة عندما تنقل للغرباء وحتى المقربين للأسرة».

وتابعت: «تبدأ هذه المشكلة عندما يبلغ الطفل الثلاث سنوات أي عندما يبدأ بالكلام بشكل واضح لكن يتخلص منها حسب طريقة التعامل معها».

وتشير إلى أن من اسباب هذا السلوك : «شعور الطفل بالنقص والرغبة في لفت انتباه الآخرين له لكي يعجبوا به، أو للحصول على الاهتمام من قبل الأشخاص الذين تنقل لهم الأخبار.

وترى حرز الله أن:«تعاملنا مع المشكلة هو أساس حل لهذا السلوك فيجب عدم تعامل الأهل بشكل قاسٍ مع الطفل وعدم توجيه أي كلام جارح له مثل (فسّاد، فتَان، جاسوس) ، بل علينا أن نواجه المشكلة بهدوء حتى لا يعلم الطفل بأن ما فعله شيء عظيم وعليه تكراره، وعلى الأهل عدم إفشاء الأسرار أمام الأطفال حتى لا يقلدوا السلوك لأنه أكثر سلوك مقلد من الأطفال، وعلينا كأهل عدم قبول أي سلوك من أي شخص يقوم بإفشاء الأسرار حتى يدرك الطفل بأن الجميع يرفضون هذا السلوك».

وتابعت :«وعلى الأهل عدم تشجيع الطفل على نقل أخبار الآخرين وخاصة عند زيارة أحد الأقارب وعلى الأهل التذكير بعدم نقل أي حدث أثناء الزيارة لأن لكل بيت أسراراً ولا يحق لأي شخص معرفتها، وعلى الأهل التذكير بأن الناس لا يحبون شخصية الإنسان الفتان أو الجاسوس وانهم يتحدثون عنه لأنه بأي لحظة سينقل أخبارهم فعليه أن يكون شخصاً موثوقاً به، وضرورة التأكيد على عدم إعطاء أهمية لسلوك الطفل وأن يأكدوا له بأن يهتم بأشياء وأحداث خاصة فيه، وعلى الأم إخبار طفلها قصصاً واقعية عن النتائج السيئة لمن ينقل الأخبار للآخرين، فعندما تستمر المشكلة عند الطفل على الأهل الانتباه بأنه يحتاج من يحتويه فهو يريد أشخاصاً يسمعون له وبحاجة إلى من يتحدث لهم عن مشاكله».

وتضيف:«وعلى الأم أن لا تجعل طفلها جاسوساً على إخوته في المنزل لأن بداية السلوك يكون كذلك، وعندما يجد استحساناً من الأهل فإن ذلك يعزز السلوك لديه ويقوم بنقل اخبار اصدقائه، وان قام بهذا السلوك على الأم أن تخبره بأن هذا غير مقبول وان تكرر ستعاقبه بحيث تمنعه من الخروج أو اللعب حتى يعلم بأن ما يفعله سلوك خاطئ، وعلى الأم أن تكون قدوة أمام طفلها وأن لا تتحدث باسرار الآخرين».

وهناك حقائق علمية تؤكّد أنّ السلوك هو تعلّم، والتعلم معناه أنّ الطفل يمر بموقف يكسبه خبرة، إما خبرة سلبية أو خبرة إيجابية، فتبدأ هذه الخبرة في سن مبكرة، وتتحول هذه السلوكيات إذا كانت سلبية إلى حقائق لدى الطفل، فيرى أنّها الصحيحة وليس هناك ضرر منها، فتبدأ المهارات السلبية بالظهور في كل المواقف، فالطفل حينما يرد على الهاتف يقول إنّ أمه ليست موجودة وهو يكذب، فهو لا يعلم بأنّ ذلك كذب بمعناه السيئ، فتبدأ المهارات السلبية تظهر في مواقف أخرى فحينما يذهب إلى بيت أحد أقاربه فإنّه يلحظ ما يحدث وعندما يعود إلى أمه تبدأ تسأله عن أدق تفاصيل ما حدث، حتى تحوله إلى وعاء ينقل لها كل ما شاهده وسمعه في تلك الزيارة، ثم ينقله حرفيا إلى الأم، ويتعلم الطفل أنّ الحديث في مثل هذه القضايا أمرٌ جيد؛ لأنّه مقبول اجتماعياً بسبب قبول أمه لذلك.