أبواب - وليد سليمان

الفنان والدبلوماسي"مهنا الدرة " هو رائد الفن التشكيلي الاردني "الحديث"

كونه أول من قدّم الفن التكعيبي والفن التجريدي في الفنون البصرية في الأردن.

ففي البدايات منذ سن التاسعة من عمره أخذ الدرة يرسم على دفاتره المدرسية رسومات أشبه بالكاريكاتيرية لشخصيات المعلمين في مدرسته, بالعاصمة عمان التي وُلد فيها عام 1938 قرب المدرج الروماني الشهير.

أمَّا والده فهو الشاعر والتربوي المعروف قديماً "سعيد الدرة " الذي تولى مناصب تربوية عديدة منها مثلاً: وكيلاً لوزارة المعارف الاردنية في أربعينيات القرن الماضي.

وحين كان "مهنا" طالب مدرسة؛ كان والده سعيد يشتري له بعض الاحيان الالوان والكتب الثقافية, ويشجعه بأخذ دروسٍ خصوصية بالرسم على يد الرسام الروسي" جورج أليف", وكذلك تأثر بالرسام الهولندي "هالوين" اللذين كانا يقيمان في عمان.

ومنذ ذلك التاريخ فقد تعلق الدرة بحب الألوان الزيتية والمائية والحبر وبالضوء والحركة في رسوماته المبشرة بفنان متميز فيما بعد.

وفي العام 1951 اشترك مهنا بمعرض جماعي, ثم أقام معرضاً فردياً في العام1953 في عمان وهو شاب صغير.. قبل ان يشد الرحال لدراسة الفنون بشكل أكاديمي في إيطاليا عام 1954, بالرغم من عدم اقتناع والده - سعيد الدرة - كثيراَ بأن يلتحق ابنه مهنَّا بدراسة الفنون!.

فن الرسم الحديث!

وعند ذهابه الى إيطاليا أكمل مهنا في إحدى المدارس الدولية في روما ما يعادل الثانوية، ثم التحق بأكاديمية الفنون الجميلة هناك لدراسة الرسم لمدة أربع سنوات, ثم عاد الى ارض الوطن , ليكون أول أردني يتلقّى تعليماً أكاديمياً في الفن التشكيلي.. فقد تعلّم في روما كلاسيكيات فن عصر النهضة الايطالية واستفاد من خلال اطلاعه على فنون المتاحف والكنائس وغير ذلك هناك.

وبعد تخرّجه عام 1958، قام مهنّا بتدريس تاريخ الفن في المدارس ثم في معهد المعلمين بالأردن.

وفي العام 1964، أسس قسماً للفنون الجميلة في دائرة الثقافة والفنون الاردنية, كما أسّس معهد الفنون الجميلة عام 1970, وكان مهنا الدرة أول أردني يؤسس إستديو فني لتعليم الراغبين بفن الرسم في عمان.

نظرة المجتمع قديماً للرسم!

هذا ولم تكن صنعة الرسم مفهومة قديماً للمجتمع الاردني وكانت شبه منبوذة!! لذا فقد اهتدى مهنا إلى طريقة تجعل الناس يحسون بمعنى الرسم، حيث بدأ عند عودته الى عمَّان برسم الوجوه البدوية، التي ضربتها أشعة الشمس والتي تتميز بالنظرات والقسمات الحادة والمغرية للرسام والمشاهدين ..وحينها بدأ كثيرون يتأملون هذه اللوحات التي تنتمي إليهم، وصاروا يدافعون عنها.

وتلك كانت نقلة جديدة في الثقافة الفنية الاردنية .. وكان قد إلتقى مجددا بزميله في هواية الرسم الشريف عبد الحميد شرف.. إذ قال مهنا ذات مرة: كنت أغار منه.. فقد كان يرسم الخيول بشكل ممتاز.

وهكذا اختار كل منهما نمطه الخاص في الإبداع.. فواحد فارس في الفن وهو" مهنا الدرة ", والآخر فارس في السياسة وهو " الشريف عبد الحميد شرف".

المتحف الوطني الاردني للفنون الجميلة

ومنذ عدة شهور وحتى آخر هذا الشهرآذار.. فقد قام المتحف الوطني الاردني للفنون الجميلة في عمان بجهد فني خارق وذلك بتنظيم واقامة معرض استعادي شامل لمسيرة هذه الشخصية الثقافية والفنية الرائدة " مهنا الدرة " منذ العام 1948وحتى العام 2018.

وقد ضم المعرض في المتحف مئات اللوحات المتنوعة للفنان الدرة .. تلك التي كانت بحوزته, والتي أمكن استعارتها من الاشخاص الذين اقتنوها قديماً.

ومن المقتنين للوحات الدرة مثلاً: الأميرة منى الحسين, الاميرة وجدان الهاشمي, الشريف فواز شرف, حسن نعمة, فارس خصاونة, حسان وسامية منكو, منير وأوديت عطا الله, دينا هلسة, زيد وطارق خورما, حبيب وباسمة غاوي, نصري قسيسية وسهى للَس, نهى بطشون, يسار الدرة, والمتحف الوطني... وغيرهم.

وتم تخصيص أربع قاعات بمساحاتها الشاسعة لعرض لوحات الدرة: فالطابق الارضي كان للوحات الشخوص, والطابق الاول للوحات الصور الشخصية والرسومات والمهرجين, والطابق الثاني للوحات التجريدية والمناظر الطبيعية, والطابق الثالث فقط للوحات التجريدية.

مجلد من سبعة أجزاء

وبمناسبة اقامة هذا المعرض الاستعادي فقد أصدر المتحف الوطني مجلداً ضخماً يضم سبعة أجزاء رئيسية للمشوارالابداعي الطويل لفن الدرة.

وقام مديرعام المتحف د. خالد خريس بتقديم هذا المجلد الفني الكبير موضحاً: أن فن الدرة الذي يمتد منذ العام 1948 وحتى يومنا الحالي يمتلئ بالتنوع والعطاء الفني والأكاديمي والسياسي.

و ان فكرة إقامة هذا المعرض جاءت من قبل الأميرة وجدان الهاشمي رئيسة الجمعية الملكية للفنون الجميلة، والتي رغبت من خلاله اطلاع المجتمع المحلي والاجنبي على جوانب من ريادة الدرة في حقل الفن التشكيلي، التي تعبر عن طرائق تفكيرالدرة وأساليب عمله الجمالية.

وقد احتوى المجلد على لوحات عديدة وجملة من القراءات النقدية في إشتغالات الدرة, كانت لبعض الفنانين والنقاد والكُتاب مثل: غسان مفاضة، و مؤيد البصام، وغازي إنعيم، و إياد كنعان، و أسعد عرابي.

وتلك القراءات لفن الدرة أوضحت سمات وفرادة الحضور البهي لِ (أعمال الدرة) التي طافت أرجاء المعمورة بنجاح وثناء نقدي.. والتي عبرت عن لحظة الرسم العاطفية, وما اتصفت به من جرأة لونية وتجريدية, تتكئ على الإيقاع والترددات اللونية.

الفن التجريدي في الاردن

وباعتبارمهنا أول فنان أردني تشكيلي حديث بالرسم التجريدي والتكعيبي فقد تربّى على أسلوبه أتباع وتلاميذ كُثر, حينما كان يعطي ويقدم دروساً في مرسمه الشخصي أوائل عقد الستينيات من القرن الفائت وبعد ذلك أيضاً.

من أشهر لوحاته "الجدة السلطية"

ومن أرشيف الذاكرة الفنية للدرة هناك صورة (فوتوغرافية) نادرة تعود إلى العام 1964، يظهر فيها رئيس الوزراء الأردنيّ الأسبق الشهيد وصفي التل، ومحمد فوزي رئيس أمانة عمّان.. وكان ذلك في معرض للفنّ التشكيليّ في الأردن- في قاعة أمانة العاصمة بشارع الهاشمي بعمان- حيث لم يكن هناك أيّ (غاليري) حينها.

كما تظهر على جدار المعرض اللوحة الشهيرة (ابتسامةُ المرأةِ السَلْطيّة) للفنان الدرة والتي تحوّلت إلى طابع تذكاريّ أردني.

فنان محلي وعالمي

والفنّان الدرة والذي يُعتبرمن رواد الحركة التشكيلية الاردنية ، كان من أوائل مؤسّسي الاتجاه التجريديّ في الفن التشكيلي الاردني، وأوّل من أبدع لوحات ذات مستوى عالميّ بهذا الاسلوب.

فقد عُرضت لوحاته الفنية في عدد من المعارض في روما وفلورنسا والاتحاد السوفييتي, وفي عددٍ من عواصم الدول العربية والأوروبية, وفي واشنطن العاصمة، وفي معرض بينالي البندقية عام 1988, والمتحف الوطني للفنون الجميلة في فاليتا مالطا.

و أقام الدرة معارض فردية في موسكو وسانت بطرسبورغ والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة, والقاعة الرئيسية في البرلمان النمساوي في فيينا.

وشاركت أعمال الدرة في عدد من المحافل الفنية الوطنية والعالمية, بما فيها الفاتيكان, والمحكمة الإمبراطورية في اليابان, ومجموعة رئيس الفلبين, ومجموعة رئيس وزراء كندا بيير ترودو، ومجموعة ديفيد روكفيلر, وفي قاعة بون سيتي في واشنطن, وفي جامعة سان فرانسيسكو, وفي جامعة جورجتاون، وفي عدد من المراكز والمعارض الأردنية.

الفنان والدبلوماسي!

وقد عمل الدرة ديبلوماسياً أردنياً في روما في العام1961, ثم في تونس ومصر وروسيا، كما كان سفيراً لجامعة الدول العربية لدى موسكو.

وشغل فيما بعد منصب مدير الشؤون الثقافية لدى جامعة الدول العربية في تونس, وسفيرا لها في كل من روما وروسيا الاتحادية.

كما عمل مديرا للشؤون الثقافية في جامعة الدول العربية (1980 – 1981 ) ثم عين سفيرا لجامعة الدول العربية في روسيا الاتحادية (1990 - 2001).

ومديرا لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تونس عام 1988 وفي القاهرة عام 1989.

أوسمة وتكريمات

وتلقى مهنّا الدرة عدة أوسمة وتكريمات عبر سنوات طويلة منها:

1965 - فارس وسام القديس سلفستر المقدس من البابا بولس السادس.

1970 - وسام الكوكب الأردني من الملك الحسين بن طلال.

1975- عُيّن الدرة مديراً عاماً لدائرة الثقافة والفنون الأردنية

1977- أول فنان تشكيلي حائز على جائزة الدولة التقديرية وذلك لجهوده القيمة في تنمية الحركة التشكيلية الأردنية.

1978 - الميدالية الذهبية من وزارة التراث الثقافي الإيطالية.

1980 - ميدالية الرواد الذهبية وجائزة تقدير من اتحاد الفنانين العرب.

1992 - عضو نشط منتخب في الأكاديمية الدولية للمعلوماتية.

2002- أصدر البريد الأردني طابع بريدٍ من فئة 200 فلس تكريماً للدرة, وعلى الطابع احدى لوحاته.

2006 - وسام نجمة التضامن الإيطالي من رئيس الجمهورية الإيطالية.

2008 - وسام العطاء المميز من الدرجة الأولى من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين.

ومهنا الدرة والذي يُعد من أحد الشخصيات المؤثرة في تاريخ الفنون والثقافة الاردنية الحديثة ما زال يعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة في الجامعة الأردنية حتى هذا اليوم.