الاعلامي والمخرج الدرامي كمال ميرزا استفاد من المقالة والمشهدية السينمائية والكلام السريع والبسيط ومنه العامي اليومي، وذلك اثناء ابداعه قصصه الادبية ضمن كتابه الاخير "ابو العبد" الصادر في عمان عام 2018.

ومنذ البداية فان عنوان الكتاب "ابو العبد" هو عنوان تقليدي، حيث قرأنا سابقا لقاصين اردنيين قصصا بنفس العنوان، لكن أبا العبد عند المؤلف كمال ميرزا يختلف عن الآخرين، حيث جعله شخصية اشكالية، من التدين المظهري الى البحث عن المكانة الاجتماعية العالية، وبسبب الحادث البيولوجي الذي مر به ابو العبد، لما كان للقصة اية تأثير على هذا المشهد السريع الذي ربما يحدث مع اي شخص اثناء الصلاة، هنا اراد الكاتب السخرية، ولكنها ربما جاءت غير مقنعة.

اما قصة "سيادة القانون" في هذه المجموعة القصصية التي ترشح منها المرارة، فليس الجزاء على قدر الخطأ الذي ارتكبه الرجل في هذه القصة او اللقطة السريعة، حيث يتم توقيفه وحبسه لمدة يومين على مخالفة ما.. قدرها (ديناران وسبعة وستون قرشا)، فهذا الموقف سمع به الناس والقراء في حياتهم اليومية مرات عديدة، حتى اصبحت الحكاية ليست مستغربة او هجينة رغم الالم النفسي والكوميديا السوداء في لقطاتها.

اما موضوع التدوير، اي اين يستقر الشيء المادي في آخر الامر من ورق وكتاب وهدية وعلبة وقطعة ملابس مثلا، فهذا تطرق له العديد من كُتّاب القصص في الشرق والغرب.

لكن أجمل ما في هذه المجموعة القصصية للكاتب ميرزا فقد كانت برأيي عدة قصص اخرى منها مثلا تلك التي فيها المفارقة ودهشة التأويل والمصير وملحقات ظروفه الفجائية، والدليل على ذلك قصة قصيرة جدا بعنوان:

"المطففين"

القط اللعين وكأن احدا ما سلّطه عليه دون سائر الناس،

كلما اقتطع "قصقوصة" دهن او "شقفة" ليّة ووضعها في السطل اسفل النصبة – الطاولة امام اللحام – لكي "يزرّقها" فيما بعد في "وزنة" زبون آخر، او يدسها خلسة مع "فرمة" لحمة او "طحنة" كفتة او "حشوة" فطاير اوصى بها صاحبها، ثم غادر لقضاء بعض المشاوير، كان القط اللعين يأتي ويباغته ويسرق ما في السطل ويلوذ بالفرار.

أمسك بيده الساطور واندفع بهياج وراء القط دون ان ينتبه الى "بكم" البلدية الـ"دوبل كابين" الذي كان يعبر مسرعا لحظتها امام باب الملحمة.

في الصندوق الخلفي لباص الموتى كان الولدان المراهقان يجلسان مطرقين بحزن وأسى جوار جثمان والدهما الذي اورثهما صنعته، يلهجان بما تيسر من سور قصيرة وادعية مأثورة.

ومن دون ان يعيرا انتباها لصوت المقرئ الأجش الذي يخرج من سماعات الباص وهو يتلو سورة "ويلٌ للمطففين"، وتنتهي القصة هنا.

هذا ويقال ان القصة القصيرة يغلب ان تكون شخصياتها من المغمورين، وقلما يرقون الى البطولة، فهم من قلب الحياة، حيث تشكل الحياة اليومية الموضوع الاساسي للقصة القصيرة، وليست البطولات ولا الملاحم.

ومن هذا المنطلق فقد استرعى الانتباه قصة اخرى فيها من اللقطات السيكولوجية الشيء الكثير والمدفون في اعماق اللاوعي من محبة الشيء او كره الشيء او الاحياء المتعددة في الحياة.

فهناك مثلا من ذلك ما ورد في هذه المجموعة القصصية عبر عدة قصص مؤثرة منها قصة "الساخط" والريشة الطائرة:

الساخط

القدر هو الذي أسقط كرة الريشة الطائرة بين قدميه وليس الهواء، هو كان يريد الذهاب الى البحر الميت لقضاء اليوم بطوله في بركة احد الفنادق السياحية، لكن الاصدقاء هم الذين أصروا على الذهاب الى "دبين" للاستمتاع بحفلة "هش ونش" بعد شتاء طويل.

وعندما وصلوا، اراد الجلوس في مكان منزوٍ حتى يأخذوا راحتهم في الحركة والكلام، لكن الاصدقاء اصروا مرة ثانية على الجلوس بين الناس دون ان تثنيهم عن عزمهم حجته الحانقة.

"ما دام جايين تبصبصوا كان رحنا عالبحرة"

وهكذا..

بالغت شقيقتها العانس بضرب الريشة، وهواء الجبل أعطى الريشة دفعة اضافية لتسقط وتستقر تماماً بين قدميه.. وكان ما كان.

- "sorry".. ممكن تعطيني الريشة؟

نظرة.. فابتسامة. فقصاصة ورق كتبت عليها رقم هاتفها.. وما بعد ذلك بقية السيناريو التقليدي لزواج شاب وفتاة في الاردن، وما يتضمنه ذلك من تكاليف وقروض وأقساط.

بعد اربع عشرة سنة، عندما اتته ابنته البكر تطلب الاذن للعب ضمن فريق المدرسة بلعبة كرة الريشة الطائرة، رفض بحزم وعناد، ولم تفلح توسلات البنت ووساطات الام والعمات والخالات في تليين رأسه، وظل مُصراً على موقفه:

- "ما بدي البنت تلتهي بالرياضة وتهمل دراستها".

والحقيقة انه هو نفسه كان مستغربا من ردة فعله.. ومستغربا اكثر من هذه القسوة التي هبطت عليه مرة واحدة، حتى طاوعه قلبه ان يكسر خاطر مدللته التي لم يرفض لها طلبا من قبل، ومستغربا اكثر واكثر من كل هذا السخط الذي اكتشف انه يكنه للعبة الريشة الطائرة.

وبعد.. اعتقد ان قصص هذا الكتاب هي مزيج ما بين المقال الساخر والقصة القصيرة، بحيث انه ربما سيكون من الصعوبة عمل مشاهد تلفزيونية مثلا تعرض تلك القصص او الحكايات عبر الفن الدرامي للمشاهدين رغم ثرائها بالواقعية والحركة.