في اربعينات القرن الماضي كنا في الصفوف الثانوية فرحين بالاستاذ الجديد عوض الرويلي خريج دار العلوم بالقاهرة وهو يشرح بحديثه الطلي تاريخ الادب العربي بلكنة مصرية محببة تأخذ بمجامع قلوبنا ثم يؤنسنا بطرائف حياته في مصر أم الدنيا التي سافر اليها من الرمثا طلباً للعلم وعاش في صميم حاراتها القديمة بين (بنات البلد) وتزوج لفترة قصيرة من احداهن، ولا عجب أننا لم نصب بالدهشة حين قرأنا بعد ذلك في ثلاثية نجيب محفوظ كيف كانت المرأة المصرية آنذاك تخدم زوجها (سي السيد) ! وعندما حدثنا الاستاذ الرويلي ذات مرة عن الصالون الادبي الذي كانت تقيمه في القاهرة كل ثلاثاء الاديبة اللبنانية الشابة مي زيادة أثار خيالاتنا المراهقة وهو يصف كيف جذبت إليه كبار ادباء ذلك العصر من امثال طه حسين والعقاد واحمد لطفي السيد ومصطفى صادق الرافعي وسلامة موسى واسماعيل صبري واحمد شوقي، وكيف (ادعى كلٌّ بها وصلاً) لكن الأكثر استحواذاً على هذه السمعة المبهمة كان العقاد !

وبناء على إلحاحنا ذات حصة أفاض بسرد سيرتها فقال انها ولدت في الناصرة عام 1886 وانهت دراستها الابتدائية فيها ثم اخذها والداها الى مدرسة ثانوية للراهبات في لبنان، وفي عام 1907 توجهت الى القاهرة والتحقت بكلية الآداب وواصلت دراساتها العليا ونشطت كاديبة وشاعرة وصحفية تكتب في الاهرام والمقطم والمقتطف والهلال وكانت تجيد الفرنسية والانجليزية وست لغات اجنبية أخرى، أما قلبها كما روى لنا الاستاذ الرويلي فقد ظل مأخوذا طوال حياتها بجبران خليل جبران مع انهما لم يلتقيا قط إلا عبر رسائل مفعمة بغرام عنيف بقي عذرياً وروحياً خالصاً على مدى عشرين عاماً حتى توفي جبران في نيويورك عام 1931، فحزنت عليه حزنا شديداً وتصادف ذلك بعد صدمتها الاولى بوفاة والدها عام 1929 ثم جاءت الثالثة بوفاة والدتها عام 1932، ما أدى الى ضغط نفسي كبير عليها استغله اقاربها الطامعون بميراث عائلتها ودبروا خطة لفقوا فيها تقارير طبية تفيد بانها (مجنونة) ونقلوها الى بيروت عام 1938 وادخلوها عنوة وخدعةً الى مستشفى الامراض العقلية الذي يسمى العصفورية حيث احتجزت فيه تسعة أشهر ولم تخرج الا بعد احتجاجات عارمة من قبل بعض الصحف اللبنانية ودعوى قضائية قدمها اصدقاء خُلّص من امثال المفكر اللبناني أمين الريحاني، وعادت الى مصر فلم يطل بها المقام حتى توفيت عام 1941 ولم يمش في جنازتها رغم شهرتها الواسعة وكثرة معارفها واصدقائها سوى ثلاثة من الاوفياء هم احمد لطفي السيد وخليل مطران وانطوان الجميّل.

حين جاء دور جيلنا للتوجه الى مصر عام 1948 كي ننهل من العلم في جامعاتها كانت مي زيادة مجرد ذكرى، وقد أصبح ضيوف صالونها من الادباء القدامى يواجهون حتمية التغيير في التيارات الادبية التقدمية الجديدة المتدفقة من كل انحاء الدنيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية والفاشية.

صحيح أن كتباً ومسلسلاتٍ عن مي زيادة ظهرت في السبعين عاما الماضية لكنها لم تحظ بالاهتمام العام، وفي تقديري أن الصمت الطويل الحزين حول حياتها لم يخترقه أحد بعد غيابها كما اخترقه الروائي الجزائري الكبير واسيني الاعرج بروايته البحثية التي اشتغل عليها لاكثر من ثلاث سنوات واصدرها في العام الماضي بعنوان (مي) ليالي إيزيس كوبيا/ ثلاث مائة ليلة وليلة في جهنم العصفورية، وعندما قرأتها احسست بحرقة شديدة وانا أعايش عذابات امرأة مرهفة (كنا نسمع نشيجها وهي في قمة عزلتها في مستشفى المجانين الذي زُجَّت فيه ظلماً.. ونصغي الى انفاسها وهي تخبو بهدوء، قبل رحيلها الاخير عن دنيا حوّلها الاهل والاصدقاء الى جحيم.. ونلمس قسوة دهاقنة الطب العقلي باساليبهم العلاجية الوحشية في ذلك الزمان وجحود أعز اصدقائها حين تخلّوا عنها في جهنم العصفورية التي القيت فيها).

وبعد.. قالت مي يوماً (أتمنى أن ياتي بعدي من ينصفني) فهل اعادت رواية واسيني بعض الانصاف لتاريخها بعد ظلم فظيع كان وراءه جشع الاقارب؟ وهل ردت بعض البهاء لصورتها بعد خذلان الأصدقاء الملتفعين بالعنترية الذكورية؟!