يحتفل العالم في الثامن من آذار/مارس من كل عام بيوم المرأة العالمي كمناسبة للتذكير بنضال النساء ضد الظلم والاضطهاد،وللاحتفاء بالإنجازات النسوية على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في حين أن الجذور الأساسية لهذا الاحتفال تعود إلى الاحتجاجات والاضرابات التي قامت بها المرأة بسبب عدم المساواة بين الرجل والمرأة، إذ يعود تاريخ يوم المرأة العالمي للعام 1856، إذ خرجت آلاف النساء للاحتجاج على ظروف العمل وساعات العمل الطويلة، وفي الثامن من مارس 1909 عادت الآلاف من النساء العاملات في مصانع النسيج في الولايات المتحدة للخروج في مظاهرات حملت هذه المرة بالإضافة إلى المطالب العمّالية مطالب سياسية واجتماعية كالمساواة ووقف تشغيل الأطفال والحق في الانتخاب تحت عنوان «خبز وورود»، وفي العام 1910 اقترحت الناشطة النسوية والسياسية الألمانية، كلارا زيتين، الاحتفال بيوم المرأة العالمي خلال مؤتمر الأممية الاشتراكية في الدنمارك، وفي العام 1977 فقط، أقرت الجمعية العمومية للامم المتحّدة يوم 8 من آذار، كيوم رسمي للاحتفال بالمرأة.

رغم التقدم الذي حققته المرأة لا تزال الفجوة كبيرة، فقد تميّز العام الفائت بتنامي وتيرة الحديث عن الفضائح الجنسية التي هزّت هوليوود، ويشير التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن الفجوة بين الجنسين في مكان العمل لن تسد قبل العام 2186، وحسب بيان موقع اليوم العالمي للمرأة: «هناك دعوة قوية للعمل على المضي قدماً والضغط من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين»، ويبدو مدخل العمل كمؤشر للتقدم يعكس منظورات عولمة رأسمالية نيوليبرالية مخادعا وينطوي على مغالطة لا أخلاقية.

فثمة شكوك كبيرة في تحقيق تقدم حقيقي للمرأة في ظل العولمة الرأسمالية النيوليبرالية، ومنظورات الأمم المتحدة كحارسة للعولمة، فحسب كريستا فيشتريش في كتابها «المرأة والعولمة»،إذا كانت الأمم المتحدة تتحدث عن تأنيث التشغيل، فإنها تشير ايضـــــاً الى الثــــمن الــــذي تدفعه النساء والذي يتمثل في ظــروف عمل سيـــــئة اشــــبه بمعســــكرات الاعتـــقال، كما هو الشأن في شركة نايك الأميركية في فيتنام إذ هناك حقوق مهضومة، وتحرش جنسي، وتهديد للصحة. و"كلما زاد ضغط تأمين العيش وعدم وجود بديل بالنسبة الى النساء، كلما اصبحـــن اكــــثر طواعية في قبـــول اكثر ظــــروف العمـــل بؤساً وأكثر قابلية للابتزاز وأكثر طاعة في موقع العمل،فقد خرجت المرأة من نظام أبوي تقليــــدي، ذي بنــــية ثقافيـــة ودينية، الى نظام أبوي جديد أشــــد شراسة، هو الرأسمال، فحسب فيشتريش"تصطاد اتحادات الشـــركات كما يحلو لها على طريقة رعاة البقر القوى العاملة الأنثوية الرخيصة»، ذلك أن النساء بنظر أرباب العمل أكثر مرونة من الرجــــال، والمـــرونة هنا تعني القبول بأجر اقل والطاعة العمياء، فالسؤال المشروع: عمل المرأة، أهو ضربة تحرير أم عمـل قسري؟.

إن العمل المأجور خارج المنزل لا يؤدي الى تغيير في تقسيم العمل داخل العائلة، بل ان النساء تتحمل اضافة الى عملهن في الخارج عمل البيت أيضاً، وحسب أسعد أبو خليل مرّة واحدة في السنة، يحتفل العالم بيوم المرأة العالمي. مرة واحدة في السنة، يتذكّر العالم نصف سكّان الأرض: هؤلاء اللواتي يقُمن بثلثيْ أعمال الكرة الأرضيّة، ويتلقّيْن عشر المدخول العالمي، ويملكن أقلّ من واحد في المئة من الأملاك في الأرض، لا يستحققن إلا يوماً واحداً في السنة، أو أقل. مرّة واحدة في السنة، يقرّر العالم أن يحيّي المرأة. وهذا اليوم يجب أن يُلغى، فتكريم المرأة لا يكون عبر تكريس يوم صوري فلكلوري، فالحلّ يكون في تكريس السنة كلّها للمرأة لا من أجل تكريمها في اضطهادها (على طريقة التعاطف مع المُستَعبَد في استبعادِه) بل من أجل قلب النظام السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي الذي يؤسّس ويديم البنية البطريركية التي تدعم سيادة الرجل المطلقة (أو شبه المطلقة). تكريم المرأة يكون لا في احترامها في موقعها الدوني، بل في التغيير الجذري في النظام السائد.

التركيبات الأبوية لا تقف بمفردها في اضطهاد المرأة، فحسب أريان شاهفيسي في مقالتها"النسوية كواجب أخلاقي في عالم تسوده العولمة"إذ تساندها القوى الاقتصادية بشكل كبير، فتربط الاعتبارات المالية بالاجتماعية وتثبت الاثنين معًا. إن الرأسمالية قد استعادت النسوية واستولت عليها. تحصل هذه الاستعادة عندما تقوم الأيديولوجية السائدة بالاستيلاء على فكرة ذات إمكانية راديكالية وتشويهها. تؤكد أنيا مولينبيلت في كتابها الصادر 1978بعنوان «النِسوية والاشتراكية"في فصل"أنا ربة بيت"أن السواد الأعظم من النساء رباتُ بيوت، أو يتوقعنَ أن يصبحنَ كذلك. رباتُ البيوت هنَّ جميع النساء اللواتي يحملنَ على عاتقهنَّ مسؤولية العناية بالرجل و/أو الأطفال و/أو أفراد العائلة الآخرين. في إنكلترا 85 إلى 90% من النساء ربات بيوت، كما يجب الأخذ بالحسبان أن العازبات غالباً ما يعتنين في سنٍّ متأخرة بوالدَين عجوزين، أو إخوانٍ وأخوات مرضى. لا نبالغ إذن حين نقول إن تحديد النساء كمجموعة يجري من خلال كونهنَّ رباتُ بيوتٍ بالدرجة الأولى،لذا يهمني أن أفصل بين شيئين: عندما ننقد حياة ربة البيت، فنحن لا ننقد عملها، بل طريقة تنظيم هذا العمل على حساب فُرص تطور النساء. فثمة حجة أخرى تمنع النساء من الاعتراف بالاستياء، ألا وهي أن حياة الرجال ليست سهلة أيضاً. غالباً ما يعترضن: «كما لو أن الرجال ممنونون لخروجهم إلى العمل يومياً من الساعة الثامنة صباحاً إلى السادسة مساءً؟!». لذلك يهمني التأكيد على أننا لا نقيس وضع المرأة على وضع الرجل فقط، وأننا نعترف أن معظم الرجال مضطهدون في النظام الرأسمالي. بيد أنه لا جدوى من المناكفة حول مَن هو الأكثر أو الأقل اضطهاداً. الأهمّ هو أن النساء يُضطهدنَ بطرق تختلف عن الرجال، وأن الرجال مستفيدون من ذلك الوضع، أو لا يفعلون شيئاً ضده في أحسن الحالات. لا يمكننا شطب أحد أشكال الاضطهاد بالآخر، بل ينبغي وصف وتحليل الطريقة التي تحيا فيها النساء في ظلّ الرأسمالية.

تكشف ويندي براون في كتابها «البحث عن الرجل في الدولة» عن التنميط الجندري للدولة من خلال وصف الدولة الليبرالية بكونها «دولة رجولية»، وتقول أن «سلطات الدولة حيادية جندرياً بقدر ما تكون حيادية بالنسبة للطبقة والعرق، وهذا يشمل دعوة المؤسسات الرجولية أن تؤمن الحماية من الرجال أنفسهم.»، وفي سياق مماثل، يطرح روبرت كونل «هرمية الرجوليات»، كمركب تاريخي في المجتمع، وقام بتعريف «الرجولة المهيمنة» بصفتها «نمط من الممارسة سمح باستمرار استبداد الرجل على المرأة» حيث «تجسّد أكثر وسيلة يُعتمد عليها اليوم لكيفية أن تكون رجلاً وتفرض على كل الرجال تحديد موقعهم بالعلاقة معها، وبينما يقوم كونل بتعيين الرجولة كسلطة مجتمعية يفرضها الرجال على الرجال، وهي «تراتبية تتحقق من خلال الثقافة والمؤسسات والاستمالة»، فالرجولة المهيمنة بصفتها ذكورية سياسية مبني جزئياً على الاستقطاب بين الرجولة والقومية في بناء الدولة لدى جوان ناغل فـ"القومية سياسية، بحكم تعريفها، ووثيقة الارتباط بالدولة ومؤسساتها. وكما القوى العسكرية، فقد هيمن الرجال على معظم مؤسسات الدولة تاريخياً التي ما تزال تحت سيطرة الرجال. لذلك، فليس من المستغرب أن تسير ثقافة وإيديولوجية الرجولة المهيمنة يداً بيد مع ثقافة القومية المهيمنة»، ذلك أن القومية، حسب ناغل، شديدة الارتباط بالرجولة، وتمتد جذورها التاريخية إلى الثورتين الفرنسية والصناعية، كمكوّن من مسار إعادة تركيب السياسة المحلية والكونية وخلق «اقتصاد سوق وطني وطبقة بورجوازية وطنية قابلة للحياة».

في كتابه «الإسلام في الليبرالية» يقوم جوزيف مسعد باستعراض العملية التي تمت من خلالها كونَنَة الحركة النسويّة الليبراليّة الأميركية والغرب-أوروبيّة على مستوى العالم، والآليات والأدوات التي مكّنتها من الهيمنة على خطاب وسياسات تحرير النساء المسلمات من التمييز المؤسّسِ على النوع الاجتماعيّ في مجتمعاتهن وبلادهن، وكيف ربطت وفكّت ارتباط الليبراليّة الغربيّة بـ"الإسلام».ويركز على عملية ربط هذا التحرُّر بالتعريفات الليبراليّة للحقوق، وخصوصاً حقوق المرأة بوصفها حقوق الإنسان، ويتتبع كيف لعبت هذه العملية دوراً مباشراً في إضعاف الاتحاد السوفياتي خلال العقد الأخير من الحرب الباردة، ما أدى إلى سقوطه النهائي في عام 1991، مُحيِّداً بهذا المقاومة الاشتراكية والمعادية للإمبريالية التي وقفت في وجه الليبراليّة الغربيّة، ومقوضاً أيضاً أجندتها التنموية المعادية للرأسمالية، التي ستُستبدلُ بصعود ناجحٍ لنظام نيوليبراليّ تقوده الولايات المتحدة مع ما صاحبه من أجندات سياسيّة لرأس المال المعولم والتي هيمنت على الكون منذئذ.

في هذا الصدد، تقدم أطروحة نانسي فريزر التي انخرطت كصوت نسوي من خارج الحدود الألمانية في إطار مدرسة فرانكفوت، في حوار نقدي مع أكسيل هونت كن خلال حوار جُمع في كتاب مشترك تحت عنوان «إعادة التوزيع أو الاعتراف ؟ »، مقاربة نقدية للإجابة على أسئلة مركزية: هل يجب الانخراط في سياسة الاعتراف أم في سياسة إعادة التوزيع الاقتصادي؟ في سياسة طبقية أم في سياسة الهوية ؟ في التعدد الثقافي أم في الديمقراطية الاجتماعية ؟، حيث تحاول فريزر بناء براديغم الخلاص، من خلال ثنائية الاعتراف والاقتصاد السياسي. فلا الاعتراف وحده قادر على رفع الظلم وتحقيق عدالة اجتماعية منصفة، ولا الاقتصاد وحده قادر على حماية المساواة الاقتصادية. تتطلب العدالة، من أجل تحقيقها، نسقا موحدا يجمع في تركيبة متكاملة بين إعادة التوزيع الاقتصادي والاعتراف، إذ ترى فريزر بأن التيار الذي يحتمي خلف إعادة التوزيع الاقتصادي ويحتقر التعدد الثقافي، باعتباره وعيا مشوشا وكابحا للعدالة الاجتماعية، يقع تحت «النقائض المغلوطة»، وكذلك الشأن بالنسبة للتيار المدافع عن الاعتراف الثقافي ويتجاهل الاقتصاد السياسي، عبر نموذج مثالي، يخص فئة تتعرض للاستغلال الاقتصادي بسبب سوء التوزيع، الأمر الذي يتطلب، لإنصاف هذه الفئة، هدم البنيات الطبقية الرأسمالية وتجاوز الاستغلال الطبقي، لتتناسب هذه الفئة (الطبقة العاملة) مع عدالة إعادة التوزيع الاقتصادي، وتجمع بين الاعتراف وإعادة التوزيع الاقتصادي. فالمرأة العاملة مثلا، تعاني من بنية الاستغلال التي تتمظهر في تقسيم العمل، بحيث تجمع بين وظيفتها المهنية خارج البيت (الاستغلال الاقتصادي) ومهمة تربوية ومنزلية داخل البيت (مشكلة الاعتراف).

خلاصة القول أن مقاربة وضعية المرأة في زمن العولمة في يوم المرأة العالمي، يكشف عن اختلالات المجتمع الإنساني عامة، وإذا كانت «العولمة الرأسمالية النبوليبرالية» حسب كريستا فيشتريش قد اكتسحت كل القيود الأخلاقية التي كانت تقف ضد عمل المرأة الخارجي، فإن ذلك لا يمثل بالضرورة فعل تحرير للمرأة، لأن ذلك جرى دائماً ضمن علاقات عمل منخفضة الأجور وغير مضمونة، ولحسن الحظ لا بد من الإشارة حسب جوزيف مسعد إلى أنه كان للنسويّات الليبراليّة الأميركية (والغرب أوروبيّة) كثيرٌ من الناقدات النسويّات الأميركيّات والأوروبيّات في السبعينيّات وفي الثمانينيّات على وجه الخصوص، ناهيك عن الناقدات من نساء «العالم الثالث»، بمن فيهن مختلف النسويّات الاشتراكية والنسويّة التحليل نفسية كما النسويّات المعادية للعنصريّة. وإذا كانت الإحالات إلى هذه الأدبيات جمّة فمن المهم ذكر بعض منها: منذ التسعينيات أصبح عدد هذه الانتقادات الأميركيّة والغرب-أوروبيّة للنسويات الليبراليّة هائلاً، بما فيه النسويّات ما بعد البنيوية والتفكيكية، والقطيعة الابستمولوجية الذي عززها كتاب «مشكلة النوع الاجتماعيّ: النسويّة وتخريب الهوية"لجوديث بتلر.