أغلب الظن لا بل المؤكد أن إغلاق الأميركيين لقنصليتهم ودمجها بسفارتهم الجديدة في القدس بعد نقلها من تل أبيب هو لحمل الفلسطينيين على الإعتراف الواقعي بهذه السفارة وبوجودها في هذه المدينة المقدسة طالما أنهم غدوا مضطرين للذهاب إليها ومراجعتها مادام أنها قد إستخدمت وحدة إسمها "وحدة الشؤون الفلسطينية" لا بد لكل فلسطيني يريد الذهاب إلى الولايات المتحدة من مراجعتها للحصول على الـ "تأشيرة" التي تسمح له بذلك.

لقد بقيت هذه القنصلية، عندما كانت لا تزال في موقعها السابق وقبل أن يتم إغلاقها ودمجها بالسفارة الأميركية الجديدة، صلة الوصل الأساسية بين الإدارة الأميركية والقيادة الفلسطينية وهذا بالإضافة إلى تقديم الخدمات القنصلية التي يحتاجها الفلسطينيون مما يعني أن هذا الإجراء يأتي في إطار السياسة التي اتبعتها إدارة الرئيس دونالد ترمب المعادية للشعب الفلسطيني وقضيته والمنحازة إنحيازاً كاملاً ليس لإسرائيل فقط وإنما أيضاً إلى بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة التي دأبت على التضييق على الفلسطينيين والتنصل من كل الإتفاقيات التي أبرمت معهم إنْ في "أوسلو" وإن بعد ذلك.

ولعل ما يعزز القناعة بأن هذا الإجراء قد جاء بمثابة ضربة جديدة متعمدة للفلسطينيين من قبل دونالد ترمب وإدارته أن مسؤولاً أميركياًّ من العاملين في السفارة الأميركية (الجديدة) قد أعلن أن نائب القنصل العام مايك هانكي سيكون المسؤول عن الشؤون الفلسطينية وليس السفير ديفيد فريدمان، الذي هو أكثر صهيونية من بنيامين نتنياهو، وحيث أن هدف هذا "التحديد" هو التقليل من شأن السلطة الوطنية الفلسطينية كما جاء في تعليقات بعض الإعلاميين الفلسطينيين.

وهكذا فإن هذا الإجراء لا يمكن إلاّ أن يُعتبر بمثابة تأكيد جديد على أن هذه الإدارة الأميركية وحكومة بنيامين نتنياهو هما شيئاً واحداً وأنه مادام أن ترمب في البيت الأبيض لا أمل بأي تقدم ولو بمقدار قيد أنملة، كما يقال، بالنسبة للعملية السلمية في الشرق الأوسط مما قد يضطر الفلسطينيين للعودة إلى وسائلهم وأساليبهم السابقة في الدفاع عن أنفسهم وعن حقوقهم المشروعة وهذه مسألة يجب أن يدركها الأوروبيون وكل الذين يهمهم هذا الصراع المحتدم في الشرق الأوسط منذ نحو قرن بأكمله.

إنه على الأميركيين الذين في رؤوسهم عقولاً يحتكمون إليها أن يدركوا أنَّ "الإرهاب" هو الآن السمة الرئيسية للصراع في العالم بأسره وأن الفلسطينيين قد تخلوا عن السلاح من أجل فتح أبواب سلام عادل يحقق لهم ولو شيئاً من تطلعاتهم الوطنية ولكنهم أو ولكن "العقلاء" منهم قد لا يستطيعون ضبط الأمور إزاء كل هذا الذي يفعله المتطرفون الإسرائيليون والمتطرفون الأميركيون فهناك الآن جيلاً فلسطينياً لم يعد قادراً على تحمل المزيد من كل هذا الهوان وعلى العرب الذين لازالوا يراهنون على إمكانية أن تكون هناك حلول سلمية لهذه القضية أن يدركوا هذا كله وأن يتوقفوا عنده وأن يضعوا في حسبانهم أن الشعب الفلسطيني قد أصبح بمثابة قنبلة كبيرة من الممكن أن تنفجر في أي لحظة.

وهنا ودفعاً لأي إلتباس فإن هذا لا يعني المطالبة بالتخلص من إتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة ولكنه يعني أن تعود القضية الفلسطينية أولوية للجميع رغم الأولويات المستجدة الكثيرة ويجب أن تكون هناك وقفة صحيحة وجادة تشعر الأميركيين والغرب كله بأنه لم تعد هناك إمكانية للمزيد من الإحتمال طالما أن ترمب يفعل كل هذا الذي يفعله وطالما أن بنيامين نتنياهو قد تجاوز كل الحدود وبات يتصرف على أساس أنه لا بقاء لشعب فلسطين..في فلسطين التاريخية!!.