لم أتوقع ان اكتب مقالة تحت هذا العنوان، والعنوان مأخوذ من يافطة حملها أطباء الإقامة، وحين قرأتها استشعرت حجم المعاناة والألم الذي يعيشه هؤلاء الأطباء، وقلت: لماذا الاستهتار بمهنة الطب والأطباء؟ لماذا يصرخ الأطباء بأعلى اصواتهم؟ أليسوا بشرا ومن حقهم ان يعيشوا مثل باقي البشر! قرأت صرخاتهم وما كتبوه من عبارات على اليافطات احتجاجا على اوضاعهم وهم يتجهون للديوان الملكي العامر: «أطباء مش عبيد» و«من حقي ان اختص بكرامتي» و«لا لعقود الإقامة الاستعبادية» و«مزاولة المهنة حق لكل طبيب» و«معناش معناش معناش» و«إحنا أولاد الحراثين ما معنا وبدنا نختص»! هذه الصرخات يجب أن تقرأ بعناية، وأن ينظر الى حالهم ومطالبهم بجدٍّ واحترام وان تنفذ؛ لأنهم فعليا يعيشون ظروف عمل قاسية، وللأسف ما زالت نرجسية القطاعات الصحية المتمثّلة في وزارة الصحة والقطاع الخاص ونقابة الأطباء تنظر اليهم نظرة سلبية؛ لأنهم بحاجة الى التدريب والامتياز والإقامة، وقد تناسوا جميعهم أنّ هؤلاء الأطباء يقع على عاتقهم إدامة المستشفيات ومتابعة المرضى ليل نهار وبعضهم يعمل دون مقابل، ولم يرفع الأطباء اصواتهم الا بعد ان فاض الكيل؛ فلماذا يعتصمون لو كانت ظروفهم العملية والمعيشية مقبولة؟ ولماذا الصمت المريب على اوضاعهم؟ هل يعقل ان يعمل طبيب الإقامة بين 60 الى 80 ساعة أسبوعيا وبعضهم بلا راتب؟ هل هم عبيد؟ وتصوروا ان بعضهم دون تأمين طبي؟ أليس هذا ظلما تقارفه الإدارات الصحية بحق هؤلاء الشباب؟ اليسوا بشرا وعليهم التزامات وواجبات تجاه أنفسهم وأسرهم وأهلهم؟ من يسمع نداءاتهم؟ انه شيء لا يصدق ويحدث في بلدنا من ان الأطباء يعاملون بهذه الطريقة المجحفة! كيف يقومون بواجباتهم تجاه المرضى اذا كانوا يعملون كل هذه الساعات والمناوبات؟

آن للقطاعات الصحية ان تتعامل بموضوعية وإنسانية مع هذه الفئة النخبة من أبناء مجتمعنا، فليس مقبولا (تطنيش) مطالبهم، الا اذا كان المقصود (تطفيش) الراغبين بدراسة الطب لصالح المتنفذين وكبار الأطباء والراغبين بجمع المال مدى الدهر؟! ولا اريد ان ادخل في السجال بين الوزارة والأطباء وهو سجال لا يسمن ولا يغني من جوع، بدليل ان الأطباء يحتجون على اوضاعهم، وعلى ظروف العمل القاسية، وعلى عقود الإجحاف التي تنال من أعمارهم دون مقابل؟! وهل يعقل ان تجمع وزارة الصحة كل اطباء الاقامة في كوادرها اذا عرفنا ان الاعداد السنوية من الاطباء الراغبين بالالتحاق ببرامج الاقامة كبيرة وتتزايد سنة تلو أخرى؟ ورسالة الأطباء المرفوعة لجلالة الملك تجيب عن ذلك السجال، حيث جاء فيها: «ان العقود تفرض عليهم كفالات مالية تصل إلى مئة و عشرين ألف دينار، وتحرم الأخصائي الذي أتم تدريبه في مستشفياتها من شهادة مزاولة المهنة والتي هي استحقاق لكل من يحصل البورد الأردني، في محاولة للإبقاء على الطبيب قسرًا في وزارة الصحة، بدلًا من تحسين بيئة العمل ودعم الطبيب ليبقى عاملًا في ملاك الوزارة»، وأضافوا في الرسالة «ولأن اجراءات وزارتنا المتلاحقة لا تتسق مع رؤية جلالتكم في تمكين الشباب أو حتى دعم حق مواطننا في أمن صحي و خدمة طبية مثلى فاننا اليوم نستنجدكم لرفع سوية هذه المؤسسة والانتصار لنا من عقود إقامة تسلب أبسط حقوقنا وحرياتنا». واشاروا انهم سيبقون «الجند الأوفياء لهذا الوطن نحمل حب هذه الأرض لواءً، سلاحنا علمنا وجهدنا ووقتنا للسهر على صحة مرضانا، نذود عن وطننا وعن مليكه المفدى وعرشه الهاشمي في كل حين».

وبعد، لا نريد ان نسمع آراء الشفقة والاستهتار من المعنيين؛ خاصة من يضعون العراقيل امام الأطباء، وللاسف قبل عام كتبت في هذا الموضوع، وكان رأي بعض أطباء الاختصاص سلبياً، وقد تناسى هؤلاء ان خريج أي قسم علمي أو انساني اذا التحق بعمل أو تدريب له راتب يسد شيئا من التزاماته، لكن كيف يستكثرون على هؤلاء الأطباء ان يطالبوا بمعاملتهم بشيء من الانصاف، ولذلك علينا ان نضمّ صوتنا إلى صوت هذه النخبة من أطباء الإقامة لإنصافهم والنظر إلى أوضاعهم، وأملهم بالحكومة والخدمات الطبية الملكية ونقابة الأطباء كلٌّ من موقعه أن يبادروا إلى دراسة واقعهم وإنصافهم ومساواتهم بحملة الشهادات الاخرى، ويجب أن يترجم الأمل الى حلٍّ يعطي كل ذي حق حقه فهناك أطباء إقامة بلا رواتب وينتظرون من ينصفهم، والتحية من القلب لكلّ من يرسم البسمة على وجوه المرضى والمتعبين، ولمن يفكّر في إنصاف هذه النخبة المبدعة من أبناء الوطن.

mohamadq2002@yahoo.com