(في تلك النواحي الموحشة الجرداء من ارض فارس لا يوجد على امتداد البعد إلا قلعة ((فردقان)) القابعة هنا منذ قديم الزمان، حتى الطيور نأت عن السكنى والتحليق بهذا المكان القاحل متشابه الانحاء كأنه التيه، والآمر منصور ((المزدوج)) لفرط ضخامته وسمنته يحدّق من علٍ نحو الطريق المتعرج النحيل المؤدي الى قلعته المعزولة، وفي جوف رأسه تدور الوساوس والأفكار بقلق وانشغال بأمر السجين المرتقب وصوله ويجيب على سؤال احد مساعديه بالقول: هو ليس سجينا فالسجين يحكم عليه القاضي بحبس ما فيرسلونه ليقضيه هنا إذا كان شخصاً خطيراً يُخشى هربه من الحبوس العمومية، اما هذا القادم فهو رجل جليل القدر ومشهور كحكيم بارع وله عند الناس مقامٌ عالٍ، وهو معتقلٌ بأمرٍ أميريّ لمدة غير معلومة ولم يحاكم اصلاً.. ما يقلقني ان له صلة بالأمير علاء الدولة ابن الكاكويه حاكم اصفهان وقد اعتقلوه فجراً في همذان منذ ثلاثة ايام وارسلوه تحت الحراسة الى هنا... فجأةً صدحت قبيل انتصاف الليل صيحات الحراس من اعلى برج في القلعة مخبرة بأن مشاعل عسكر ((همذان)) تقترب... جاؤوا جميعاً فوق أحصنة إلا المعتقل الجليل المهان ((ابن سينا)) الذي جاء راكباً بغلة هرمة تنوء بحمله هو والمخلاة التي خلفه.. جاء مفكوك العمامة، مكشوف الرأس، كسير النفس، كسيف النظرات، خجلاً من هيئته ومن السلسلة الصدئة المقيِّدة لقدميه وكفيه..).

بهذه السطور المستلَّة بتصرف طفيف من روايته الجديدة ((فردقان)) يبدأ يوسف زيدان الروائي المصري الكبير سرد اعتقال الشيخ الرئيس (أبوعلي) الحسين بن عبدالله ابن سينا في مثل هذه السنة من بداية الالفية الثانية أي قبل ألف عام من يومنا، وأكتفي انا بهذا القدر منها ولا استطرد، إذ ليس مقصدي استعراض حياة ابن سينا في تلك الحقبة، من خراسان الى باقي انحاء فارس والامارات والممالك التي قامت في ظل الدولة العباسية المتآكلة الاطراف والبادية الضعف بسبب التناحر والاقتتال سواء منها البويهية او السامانية او غيرهما مع بدايات نشوء طبقة المماليك من العساكر المستأجرين والمحترفين، وليس هدفي نقل ما جاء في الرواية كقطعة ادبية تاريخية رائعة عن حياة ابن سينا اثناء حبسه وكيف كان يصل الليل بالنهار منكباً على التأليف بعد أن زوّده السجان ((المزدوج)) بادوات الكتابة واحاطه بالرعاية التي هو أهل لها حتى لقد مكّنه من فحص المرضى الذين قصدوه من القرى والمناطق المجاورة وتحضير الادوية لعلاجهم، وليس في نيتي كذلك أن أغطي ما يعرفه الناس عن «أبوعلي» وهو كثير ومتوفر في المراجع المختلفة وفي مؤلفاته الطبية التي ربما كان ابرزها ((القانون في الطب)) الذي شكّل قاعدة صلبة للتدريس في جامعات اوروبا لمئات من السنين تلتْ، أو اسهاماته في دراسة فلسفة ارسطو أو كتبه الاخرى في علوم الحساب والهندسة والفلك والفيزياء والمتافيزيقيا واللغات.. والموسيقى والشعر، لكني ساحاول أن ألمس لمساً خفيفاً بعض الجوانب الانسانية عنده كما برع في التعبير عنها كاتبنا الفذ وهو يشرح ايمانه بالخالق ويصف دونما تكلف او إغراق لقطات من حياته اليومية في المعتقل كأداء الصلوات في اوقاتها وعاداته في تناول الطعام الصحي مع قدر من النبيذ، أو وهو يروي عن علاقاته النسائية خارج نطاق ما كان يُهدى له من إماء وجوارٍ كان لا يلبث أن يعتقهن، فيعرّج آخر المطاف على ساحرته وأجمل فاتنات عمره ((ماهتاب)) التي باحت له بان أغلى أمنياتها قد تحققت حين اقتربت منه وعملت معه بخطها الانيق في تدوين ما يمليه عليها من فيض عقله، وناقشتْه بذكاء ودراية في ((المنطق)) احب العلوم الى قلبها.. وعندما ارتقت بهما خلجات الحب اعلى درجات العشق والوله صارا كل ليلة يذوبان روحاً وجسداً حتى ساعات الصباح الاولى..

وبعد.. فليس من باب الصدفة أو العشوائية ان اختار هذا الفصل الصادم من حياة عبقري جليل حاق به ما حاق جراء الوشايات ودسائس القصور لكي اسلط الضوء من خلاله على ((الاعتقال)) الذي لم يكن عبر التاريخ ومع كائن من كان الا فعلاً تعسفيا يُدبرَّ خارج قوانين العدالة في المحاكم ولا يعرف احد مداه ومآله أو ما يرتكب فيه اثناء التحقيق بدءاً بالاهانة وثلْم الكبرياء وصولاً الى تعذيبٍ يبلغ حد القتل والاخفاء (ويسمونه اختفاءً)! فالاعتقال مازال حتى اليوم سائداً في دول تدّعي الديمقراطية لكنها لا تحترم القضاء ((المدني)) فتستبقه او تتجاوزه بقرار((عرفي)) تدعوه حجزاً تحفظياً او توقيفاً ادارياً لكنه يبقى منافيا للاعلان العالمي لحقوق الانسان منذ عام 1948..!

وأبشع الاعتقال ما وقع على النساء!