رغم أن مصطلح الإرهاب من أكثر المصطلحات شيوعا وانتشارا، فإنه من أشد المفاهيم اختلافا وإشكالية، إذ تختلف الأنظار في تحديد ماهية الإرهاب وتعريف من هو الإرهابي إلى حد التناقض أحيانا بين من يعتبر جماعة ما إرهابية في مقابل من يعتبرها حركة مقاومة، ومن يحدد هوية شخص كإرهابي ومن ينظر إليه كمناضل، وينطوي مصطلح الإرهاب على إشكالية منذ ظهور مصطلح «الإرهاب» الذي صك في القرن الثامن عشر، وبالتحديد في نوفمبر 1974، وتمّ تثبيته في المعاجم انطلاقًا من سنة 1798، إبّان توصيف الفترة التي خصّصتها الثورة الفرنسية لتصفية كلّ «المضادين للثورة».

مصطلح الإرهاب ما يزال إشكاليا مع وجود مئات التعريفات، ولا يوجد اتفاق على تحديده وتعريفه، ووفقا للتعريف الصادر عن الأمم المتحدة للإرهاب الدولي عام 1972 فإن الإرهاب هو» استخدام العنف غير القانوني أو التهديد به بغية تحقيق هدف سياسي معين». في حين تعرفه المحكمة الجنائية الدولية على أنه «استخدام القوة أو التهديد بها من أجل إحداث تغيير سياسي، أو القتل المتعمَّد والمنظم للمدنيين أو تهديدهم به لخلق جو من الرعب والإهانة للأشخاص الابرياء من أجل كسب سياسي، أو الاستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات لإجبار المدنيين أو حكومتهم للإذعان لأهداف سياسية».

عقب تنامي الصراعات الدولية والنزاعات الإقليمية والأزمات المحلية أصبح استخدام مصطلح «الإرهابي» و"الجماعة الإرهابية» أكثر تسييسا، وتكاثرت التعريفات وتنامت الاختلافات، وتعتبر الحالة الفلسطينية نموذجا مثاليا للكشف عن الطبيعة الانتقائية الذاتية غير الموضوعية لتعريفات الإرهاب، فإسرائيل تصنف كافة حركات المقاومة كمنظمات إرهابية، كما فعلت سابقا الأنظمة الكولونيالية الاستعمارية مع حركات التحرر، وبهذا تحول مصطلح «الإرهاب» إلى مفهوم ذاتي غير موضوعي، لا يتوافر على مصداق خارج أطر المصلحة والقوة، رغم سهولة تبيّن حقيقته الابستمولوجية المعرفية كظاهرة عنف سياسيي، وإمكانية التعرف على أسبابه وجذوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وارتباطه بالتدخلات الإمبريالية الخارجية والتعسفات الدكتاتورية المحلية، وكان إدوارد سعيد قد خلص في مرحلة مبكرة من سيادة عصر «حرب الإرهاب» إلى تعريف طريف ودقيق للإرهاب بحيث يصبح «هو أي شيء يقف في وجه ما نرغب «نحن» في «فعله»، إذ بات «الإرهاب» اسما مفروضا غير مفترض تحدده سلطة القوة وفق المصالح القومية.

في هذا السياق تقول أنيتا ميكوني وهي ناشطة لاعنفية منذ العام 1993 قادها عملها في الحملات البيئية والمناهضة للحرب إلى مزيد من البحث المكثف في الجذور النفسية العميقة للعنف،ومؤلفة كتاب «نفسية الذين بلا خوف ونفسية الخائفين: المبادئ والممارسة»، إذا كنت قد تساءلت في أي وقت: «لماذا؟ كيف يمكنهم أن يفعلوا هذا؟»

في ردة فعلك على أحدث تقرير تكون قد قرأته عن الإرهاب، فإن «اعترافات إرهابي» ستكون هي الرواية المناسبة لك -وإنما فقط إذا كنت تريد معرفة الأجوبة حقاً، نظرا للمعلومات الواقعية الموثوقة التي جمعها خبير الإرهاب وأستاذ دراسات السلام في جامعة أوتاجو في نيوزيلندا ريتشارد جاكسون، ووضعها في قالب حكاية بسيطة، ولكنها مقنعة وآسرة، ويندرج كتاب «اعترافات إرهابي» في إطار جهوده الطويلة لإعادة النظر في تعريف الإرهاب، والإسهام في مكافحة هذه الظاهرة بنهج يسلط عين الناقد على الأفكار السائدة، وقد صدر الكتاب بالعربية عن منشورات دار المتوسط عام 2016، وترجمه منصور العمري.

يؤكد جاكسون على أن النتيجة الأكيدة الوحيدة لجهل الإرهابيين هي خلق المزيد منهم، وتوليد الانتقام، وبالتالي ثمة ضرورات أخلاقية وعملية للسعي لفهم أفضل للعقلية الإرهابية، ففي سياق سرد روائي متخيل لضابط مخابرات بريطاني يستجوب إرهابيا،تتكشف أسرارا وحقائق خطيرة، حيث يبدأ الخط الفاصل بين المحقق والمعترف بالتلاشي، وذلك في لحظة صادمة من الرواية حيث يخلط جميع أوراقها ويظل السؤال: من هو الإرهابي الحقيقي؟، ويؤكد جاكسون في ملاحظة هامة على أن سرده المتخيل استند إلى بحث عميق ودقيق، ويقول: «اعتمدت -بشكل كبير أثناء كتابتي لهذه الرواية المُتخيّلة- على الأدبيات الأكاديمية الموسعة في طبيعة وأصول الإرهاب وأسبابه وكيفية الاستجابة له».

تعتمد الرواية على فكرة بسيطة جدا «إذا جلست مع إرهابي وجها لوجه، ما الأسئلة التي ستطرحها عليه؟ ماذا توّد أن تعرف عن حياته ونشأته، وعن دوافعه للجوء إلى الكفاح المسلّح، وأهدافه وغاياته، ومفهومه للأخلاق، ومشاعره تجاه ما يفعله؟»، ويرى جاكسون أن هذه الفكرة هامة لأسباب عدة، ليس أقلّها انتشار الإرهاب في كل مكان هذه الأيام، «ولكن حتى الآن وللمفارقة يبدو أننا -تقريبا- لا نعرف شيئا عن الأشخاص الذين يرتكبونه»، إذ تكمن المشكلة حسب جاكسونب استقراء الإرهابيين من خلف حجاب الجهل، ومحاولة فهمهم من خلال عدسة خيال مشوبة بالخوف، «أننا سنحوّلهم إلى وحوش. فيصبحون من غير البشر، ونجرّدهم من تاريخهم، ومن الطفولة والمشاعر وتجارب الحياة والطموحات والقيم. فيصبحون مطابقين لما يفعلونه، أو ما ينوون فعله».

يشكل حجاب الجهل إشكالية كبرى وعائقا في سياسات الحرب على الإرهاب، وحسب جاكسون، فإن ذلك لا يمكنه أن ينهي أعمال الإرهاب أو أن يمنع المزيد منها، والنتيجة الأكيدة الوحيدة لهذا النهج هي خلق مزيد من الإرهابيين، وتوليد انتقام أكثر عنفا. وبالتالي هناك ضرورات أخلاقية وعملية تدفع إلى السعي لفهم أفضل للعقلية الإرهابية، ويشير الكاتب إلى أن التحدث مع الإرهابيين والاستماع إلى أصواتهم وحججهم في محاولة لفهم وجهة نظرهم أمرٌ محظور، لأن ذلك قد يؤدي إلى التعاطف، أو فهم أو حتى تبرير سلوكهم المشين.

في الصفحات الأخيرة، يقدم جاكسونحسب أنيتا ميكوني مستوى من اليأس في الخبرة البشرية، والذي يصل إلى حد الاعتقاد بأن العنف هو الرد الوحيد الممكن على العنف. ويعيد الكاتب بدقة عرض الكيفية التي يقبل بها الناس في الكثير من الأحيان العواقب الشخصية والاجتماعية المروعة المترتبة على العنف، من خلال الاعتقاد العاجز بأنها ليست هناك أي وسيلة أخرى، وفي الوقت نفسه، وإذا لم تكن على دراية بقصة «الإمبراطورية» من وجهة نظر الذين كانوا موضوعاً لغزوها، فإنك يجب أن تهيئ نفسك للكثير من الاكتشافات المروعة التي سوف تخرجك من إسار عقلية الثنائية المعتادة عن الشخص الجيد/ في مقابل السيئ، التي تشجعها تصويرات وسائل الاعلام النمطية للصراعات العالمية.

يخلص جاكسون إلى نتيجة هامة بأن البشر يتصرفون بعنف عندما يشعرون بأنهم تحت التهديد، وتبين هذه القصة الخطر الذي يتهدد جميع الأطراف لدى الإخفاق في الاستماع بصدق إلى الطرف الآخر، وضرورة معالجة كل طرف مخاوفه وحاجاته الخاصة وتلك التي لدى عدوه أيضاً، إذا كان الطرف المعني يريد حقاً أن يحل الصراع وأن يضع نهاية للعنف، ويثير جاكسون في هذه الرواية، السؤال الكبير: هل يكون الخوف وانعدام الأمن في المجتمعات الغربية والاعتداء العنيف على الناس من البلدان والثقافات الأخرى هما اللذان يتسببان في صدور رد فعل دفاعي عنيف؟، ففي هذه الحالة، يكون الغربيون هم الذين بحاجة إلى عملية «اجتثاث للتطرف» من إيديولوجياتهم الرأسمالية وعسكرتهم وسلوكياتهم المتطرفة، من أجل الحد من الردود المتطرفة المخيفة التي تصدر بسبها.

خلاصة القول إننا أمام كتاب شيق وآسر عاطفياً، حسب أنيتا ميكوني والذي يثير العديد من القضايا التي تحتاج إلى البحث والمناقشة. كما يضم قائمة مقترحة لقراءة أكاديمية قوية لأولئك الراغبين في معرفة المزيد، ففي واقع الأمر، يبدو أن هناك القليل مما يقال لتمييز «الإرهاب» عن أي شكل من أشكال العسكرة كما مارسها البشر في أي وقت من الأوقات.

hasanabuhanya@hotmail.com