عالم الدول ومعادلات العلاقات ليست عالما نقيا تنتشر فيه الابتسامات والعواطف والإخوة أو الصداقة كما نرى ونسمع في اللقاءات الرسمية وبيانات الاجتماعات، والأردن منذ أن ارتبطت علاقاته مع الإقليم والعالم بأمر أساسي هو القضة الفلسطينية، ومع كل محطة كبرى كان الأردن يدفع ثمنا باهظا على حساب هويته واقتصاده وتركيبته، تماما مثلما كان الشعب الفلسطيني يدفع الثمن من أرضه وهويته وحقوقه.

ومع كل تسوية أو مشروع مبادرة لحل القضية الفلسطينية كان الأردن يخشى من ثمن عليه ان يدفعه إذا كانت أي تسوية غير حقيقية ولا تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الكبرى، ولهذا كان ومازال جوهر الموقف الأردني ان أي حل يجب ان يعطي للفلسطينيين دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وضمان الحقوق الاساسية الأخرى وأهمها حق العودة .

السنوات الأخيرة وتحديدا مرحلة ترمب من أخطر المراحل رغم ان الإدارة الأميركية لم تقدم مبادرة واضحة حتى الآن ولم تنظم عملية تفاوض لكن خطورتها ان هذه الإدارة تنفذ من تصورها ما يخدم إسرائيل دون ان تذهب إلى أي تفاوض أو إعطاء الفلسطينيين أي ثمن، ولهذا رأينا قرار نقل السفارة الأميركية الى القدس، ورأينا المحاولات التي مازالت مستمرة لإقامه علاقات ولو كانت بروتوكولية بين إسرائيل ودول عربية دون ان يكون هذا جزءا من سياق عملية سلام تعطي للفلسطينيين حقوقهم، وهذا يخدم منطق إسرائيل ويزيد من ضعف الموقف الفلسطيني .

من يسعون لإضعاف استقرار الأردن يدركون أن الدولة الاردنية قيادة ومواطنين ومؤسسات تجاوزت بنجاح القلق السياسي والأمني حتى ذلك الذي حاولت قوى الارهاب صناعته، لكن الخاصرة الاردنية الضعيفة هي الوضع الاقتصادي ومعاناة الناس، وهو وضع زادته الملفات الإقليمية وأهمها ملفا سوريا والعراق، ومن لا يريدون استقرار الأردن جاءتهم هدية كبيرة وهي هذه الأزمات وما رافقها من ضعف في التزام العالم بدفع ما عليه، إضافة إلى غياب أو عدم انتظام المساعدات والمنح مما زاد من تردي الأوضاع واضطرار الدولة الى حزم إجراءات قاسية على الناس، شعر معها المواطن انه يدفع ثمن الفساد وسوء الإدارة مما حول الملف الاقتصادي الى حالة سياسية شعبية ضاغطة على صاحب القرار .

ولعل ما يراهن عليه من عملوا على اضعاف استقرار الأردن هو أنه كلما مر وقت طويل على معاناة الناس كانت الدولة اكثر استجابة لأي تصورات لحل الملف الفلسطيني، وساهم في بناء هذا وجود بعض القوى الإقليمية التي اقتنعت ان ضعف الأردن هو جزء من عناصر قوتها، ولهذا بقي الأردنيون يسمعون عن وصفات حلول لكنهم لا يجدون آثارا ملموسة ،وهذه القناعات هي ما تسعى إليه هذه الجهات لأنها تعتقد أن استمرار الازمة الاقتصاديةيعني زيادة احتمالات القبول الأردني، عندما تكون الدولة الأردنية أمام خيارات صعبة فالرفض يعني مزيدا من الضعف الاقتصادي وزيادة معاناة الأردنيين، والقبول يعني أيضا ثمنا من هوية الدولة واستقرارها السياسي وعلاقة الدولة مع مواطنيها، ولهذا نقرأ تسريبات تتحدث عن مليارات ستقدم للأردن إذا ما قبل بالحل القادم، وأقل ملامحه توطين الفلسطينيين والقبول بصيغة علاقة مع سلطة فلسطينية شكلية تحت عنوان الكونفدرالية او الفدرالية.

موقف الأردن واضح وثابت لكن هذا لا يعني ان هناك من يراهنون على ان تعميق الازمة الاقتصادية ستضع الدولة الأردنية في مأزق كبير أمام الأردنيين .

الذين يريدون تعميق الأزمة الاقتصادية هم الذين يعملون بقوة على ان تتحول الأزمة الاقتصادية إلى حالة عدم استقرار سياسي لا يحله تغيير حكومة أو تغيير برلمان، هم من يعنيهم أن تتراجع المساعدات والمنح وتزيد القروض وأن يتحمل الأردنيون وحدهم آثار أزمات الاقليم دون عون حقيقي ،فلعل هذا يجعل قبول الأردن بأي تصور او مشروع حل أمراً ممكناً أو أقل الخيارات ضررا !!!