على مدى ثلاثة أيام خلت انشغل الكونغرس الأميركي بشهادة نارية لمايكل كوهين المحامي الخاص الاسبق للرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي عمل بقربه على مدى عقد كامل كان خلاله شاهدا على الكثير من الأحداث والقضايا التي تحوم حولها علامات استفهام كبيرة تضع صانعها الرئيسي ترمب على أقل تقدير في دائرة الشك.

وبينما حكمت السرية اليومين الأول والثالث حظي الثاني الذي عقدته لجنة الرقابة في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون بتغطية إعلامية وصحفية موسعة بسبب السماح لوسائل الإعلام بنقل الحدث على الهواء مباشرة لملايين المشاهدين الأميركيين في جلسة امتدت لسبع ساعات وثلث الساعة شن خلالها كوهين هجوما كاسحا على ترمب ناعتا إياه بالكذب والخداع والعنصرية.

كوهين الغريق الذي لا يخشى البلل الذي يستعد لقضاء عقوبة بالسجن مدتها ثلاث سنوات بعد سحب رخصة مزاولته مهنة المحاماة بسبب الكذب على الكونغرس تحت القسم في جلسة سابقة بدا كمجرم يريد أن يغسل عاره لا باعلان البراءة من ترمب فحسب بل بكشف جميع أوراقه أمام المشرعين والرأي العام الأميركي ولأنه يعلم أن مصداقيته محل شك بسبب كذبه سابقا وإقراره هو نفسه بالكذب جاء إلى الكونغرس مسلحا بعشرات الوثائق من بينها شيكات بتوقيع ترمب يقول كوهين إنه دفعها له لسداد مبالغ كان قد دفعها عنه لإسكات أشخاص من بينهم ممثلة الأفلام الاباحية ستورمي دانيالز التي تزعم أن ترمب أمضى ليلة معها في السنة ذاتها التي وضعت فيها ميلانيا ترمب الزوجة الثالثة والأخيرة لترمب ولدها الوحيد بارون.

لكن أخطر ما ورد على لسان كوهين تلميحه إلى اطلاع ترمب إبان حملته الانتخابية على اجتماع بين مسؤولين في حملته ومسؤولين روس بهدف مساعدته على الفوز على هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة الأخيرة وهي قضية في صميم تحقيق لا يزال يجريه المحقق الخاص روبرت مولر الذي يتمتع بصلاحيات واسعة قد تقود ترمب إلى الإدانة بالتواطؤ مع روسيا وربما اتهامه بالخيانة التهمة التي نص عليها الدستور الأميركي بشكل صريح عند تحديده شروط عزل رئيس البلاد.

هذه التهم وغيرها أعادت إلى الساحة السياسية والإعلامية في واشنطن جدل إمكانية عزل ترمب بعد أن مهدت سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب الطريق إليها فعزل الرئيس وفقا للدستور لا يتطلب أكثر من تصويت أغلبية بسيطة في مجلس النواب لصالح قرار العزل الشرط المتوفر للديمقراطيين إذا قرروا السير في هذا الطريق.

وبينما تتحمس شريحة من الأميركيين في أقصى يسار الطيف السياسي لهذا الخيار الذي يلقى صدى لدى العديد من أعضاء مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي المستجدين الذين دخلوا الكونغرس للمرة الأولى في حياتهم هذا العام يحاول الأعضاء المخضرمون وفي مقدمتهم رئيسة المجلس نانسي بيلوسي كبح هذا الجماح تحت شعار ضرورة انتظار تقرير مولر والمزيد من البحث والاستقصاء في التهم التي كالها كوهين لترمب وأخرى قديمة جديدة من بينها احتمال تورطه بالتهرب الضريبي وهي جريمة يعاقب عليها القانون الأميركي بالحبس لسنوات طويلة.

ولكن إذا كان عزل ترمب نظريا أمر ممكن وغير مستبعد في قابل الأيام يظل احتمال إخراجه من البيت الأبيض بقرار تشريعي أمرا بعيد المنال لأن الدستور الأميركي الذي منح مجلس النواب صلاحية اتخاذ القرار بعزل الرئيس أعطى مجلس الشيوخ حصريا سلطة إنفاذ القرار بغالبية صعبة هي غالبية الثلثين الأمر الذي لا يتوفر للديمقراطيين في المجلس الآن وبالتالي فان الديمقراطيين اليوم أمام خيارين إما الاستمرار في تعرية ترمب أمام الناخبين بانتظار إقصائه شعبيا عبر صناديق الاقتراع العام المقبل أو الضغط باتجاه عزله في خطوة ستكون رمزية رغم ضخامتها والمغامرة بردة فعل شعبية خصوصا من ناحية الجمهوريين المعتدلين تكرس ترمب رئيسا لولاية ثانية تمتد حتى الشهر الأول من عام ٢٠٢٥ وهو كابوس لا يرغب أي ديمقراطي برؤيته حقيقة على أرض الواقع.