الأول من آذار يوم يحمل عبق الذكريات، ونقطة انطلاقٍ للصوت الأردني عبر الأثير إلى العالم حاملاً نبض الأردنيين وأحلامهم وآمالهم. كان يوماً مميزاً عبر السنين، ففي كل أولٍ من آذار تتوهج فكرة الاتصال والتواصل ونعيش التطور الذي نشهده ويشهده العالم في هذا المجال.

لم أكن من الأوائل الذين شهدوا هذا اليوم، وعاشوا مع القائد جلالة الملك الحسين -رحمه الله- أفراح انطلاق إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية صوتاً عربياً أردنياً مميزاً وواعياً لدوره وللتحديات التي يواجهها، ولكنني عشت احتفال الإذاعة به في كل عام وبحضورٍ ملكي يسعد العاملين ويحفزهم على مزيد من الإبداع والتألق. وهنا لا رغبة لدي لا للمقارنة ولا للانتقاد للإعلام الحالي، فلكل زمن معطياته واجتهاداته، ولكن هنالك أساسيات وقواعد لا تتغير مهما تغير الزمن، فالدور هو الدور مع اختلافٍ في الوسائل والأساليب والوجوه.

الأول من آذار حمل لواءه نخبة من الإعلاميين الذين آمنوا بأهمية دورهم بعيداً عن السعي وراء الشهرة التي حققوها دون أن يسعوا إليها، وبعيداً عن الاهتمام المبالغ فيه في المظهر حتى فقد البعض جوهر العملية الإعلامية بالرغم من تخرجهم من كليات إعلام يُفترض أن تمكنهم من أدوات الإعلام وقوة تأثيره.

الأول من آذار ومن خلال جمعية المذيعين الأردنيين التي تأسست عام ٢٠٠٢ والتي جاءت لتكون الجسم الذي يضم أجيال المذيعين، تم إعلان الأول من آذار يوماً للمذيع الأردني تحت رعاية رئيس الوزراء آنذاك دولة الأستاذ فيصل الفايز في عام ٢٠٠٤. وفي الأول من آذار عام ١٩٩٨ تم تأسيس إذاعة القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي – إذاعة صوت النهضة – وعلى رأس هذه المناسبات، تم في هذا اليوم الإعلان عن تعريب قيادة الجيش العربي.

إنه يوم يؤكد من خلاله الإعلاميون الأوائل أهمية الإعلام وسعي الأردن الدائم لمواكبة التقدم والتطور، فقد حمل الإعلاميون فكر الثورة العربية الكبرى، فكر الحرية والديمقراطية، وكانوا الصوت الأردني الذي وصل إلى أرجاء العالم، شرح ونقل وابتكر، وكان الرائد والمؤثر في الرأي العام مستنيراً بالحس الوطني، فكان المذيعون الأردنيون قناديل مضيئة في أثير العالم وأصحاب رسالة تحمل فكراً نيّراً متجدداً محلياً وعربياً. درّبوا أجيالاً من المذيعين وساعدوا في تأسيس كثير من الإذاعات المهمة، ولهم بصمات واضحة في إذاعات وتلفزيونات العديد من الدول، واليوم ومع هذا التدفق الهائل والتنامي المتسارع لأشكال ووسائل الاتصال، لا يزال الدور هو الدور في البحث عن الحقيقة والمصداقية، وتلمس القضايا الاجتماعية والثقافية التي ابتعدنا عنها، فكما هو معروف، فإن الإعلام علم وفن وعلى الذي يتولاه أن يكون مهنياً ويمتلك موهبة قادرة على إيصال الرسائل بذكاء وحرفية تؤثر في المتلقي، وأن يكون قدوة في سلوكه ومظهره.

هذا اليوم أثار في النفس حنيناً وشريطاً من الذكريات الصعبة حيناً والجميلة حيناً، وحمل أصدق التحيات والاحترام لكل الزميلات والزملاء الذين لم يكونوا إلا مجددين مبدعين وجادين في حمل رسالة الوطن والإنسان.