خلال لقاء جمع الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف والرئيس الأمريكي رونالد ريغان في عهد الحرب الباردة، في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، اتفق الرجلان من باب المداعبة على إجراء سباق بينهما لمسافة مئة متر، وفاز الرئيس الأمريكي في السباق.. وفي اليوم التالي تناولت الصحف الأمريكية الخبر في أولى صفحاتها على النحو التالي: جرى بالأمس سباق بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف أحرز فيه الرئيس الأمريكي المركز الأول، بينما جاء الرئيس السوفييتي في المركز الأخير.. فيما تناولت الصحف السوفيتية الخبر كالتالي: جرى بالأمس سباق بين الرئيس السوفيتي الرفيق ميخائيل غورباتشوف والرئيس الأمريكي رونالد ريغان نال فيه الرئيس السوفيتي المركز الثاني، بينما جاء الرئيس الأمريكي في المركز قبل الأخير.

لا وجود لإعلام حر أو محايد على وجه البسيطة، قد يبدو هذا الرأي مجافيا للواقع، لكنه يمثل الحقيقة بكل تجلياتها. أي وسيلة إعلامية في هذا العالم وجِدت لغاية معينة، وتسعى إلى إيصال رسائل محددة مسبقاً، وتحقيق نتائج مرسومة. هذا الكلام ينطبق حتى على وسائل الإعلام في أكثر الدول تقدما وتشدقا بحرية التعبير.

اليوم لم يعد هناك مبرر لاستخدام الطائرات والقذائف لإيصال المنشورات الدعائية، فقد حلت القوة الناعمة محل القوة الصلبة، والحرب الهجينة محل الحرب الكلاسيكية، والأقمار الصناعية محل المدافع، وانشغل صناع القرار السياسي في الغرب في البحث عن وسائل حديثة، للسيطرة على عقول الشعوب، فلم يجدوا افضل من ضخ حجم هائل من المعلومات، وادركوا أن السيطرة العسكرية باتت مكلفة جدا، فلابد إذا من السيطرة على العقول عبر القوة الناعمة، وأصبحنا نستقبل أكثر من ثمانين بالمئة من المعلومات التي تصلنا عبر الإعلام مصدرها الغرب.

إن أحد قواعد الإمبراطورية الأمريكية للهيمنة على الشعوب هو الإعلام كما قال «جوزيف ناي»، مؤلف كتاب القوة الناعمة، ونصح باعتماده كاستراتيجية للولايات المتحدة، نظراً لقلة كلفته أمام أثره الضخم، موضحاً ذلك بأثر الأفلام الأميركية التي ترسم صورة الترف على عقول مواطني الدول النامية، وتمكن صانع القرار الأميركي من امتلاك محطات فضائية تبث باللغة العربية من أجل أمركة المجتمعات، بالإضافة إلى ذلك هناك عدد ضئيل جداً من الشركات الإعلامية الأميركية تتحكم في كبرى الشركات والمؤسسات والتقنيات الإعلامية في العالم،

دور الإعلام لم يتوقف عند كونه وسيلة لنقل الأخبار وتحليل الوقائع وتفسير الأحداث، بل أصبح عاملا مؤثرا في رسم سياسات الدول وصياغة قراراتها، وباتت وسائل الإعلام أداة يحسب لها ألف حساب، حيث يمكن من خلالها تشويه وتدمير قيم وثقافات، والترويج لقيم وثقافات أخرى، مما يؤثر وبشكل عميق على أفكار الأفراد وسلوكهم وعواطفهم وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وسواء رضينا بهذه الوسائل أو الأساليب أم لفظناها، فإن واقع الحال يفيد أن الشعوب أنثوية العاطفة، ورسم الصورة الذهنية للمجتمع كما وصفها الكاتب والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» عندما قام بالتحليل النفسي للمجتمع بعد الثورة الفرنسية، وكيفية احتوائها على يد نابليون ليصبح إمبراطور فرنسا... وكأن الجماهير عبر التاريخ تهتف لمن يلامس مشاعرها لا عقولها.