بهذه العبارة المهينة (لا عزاء للسيدات) كان النعي يُذيَّل في صفحة الوفيات بجريدة (الأهرام) المصرية حتى أواسط القرن الماضي ولم يكن الكثيرون يدركون آنذاك مغزاها التمييزي ضد النساء وضد حقهن في قبول التعازي حتى لو كنّ هن المعنيات وهن الامهات الثكالى، وقد انتجت السينما المصرية في ستينيات القرن الماضي فيلما لفاتن حمامة بهذا العنوان حوى ما هو أبشع بكثير من مجرد التفريق في العزاء وكشف عن العديد من الممارسات التمييزية ضد النساء وفي ظل قوانين الاحوال الشخصية!

صحيح ان هذا التعبير المقيت قد أخذ وقتا طويلا حتى اختفى إلا أن بعضاً من دوافعه الذكورية المتعصبة مازالت متغلغلةً بشكل أو بآخر في بعض طقوس العزاء في بلادنا مسببةً الاساءة للمرأة وكأنها ليست انسانة تلتاع وتحزن وليس مسموحاً لها ان تعبر عن مشاعرها، فرغم تقدمنا في مختلف حقول حياتنا إلاجتماعية وقبولنا، وبعضنا على مضض، بحقوق المرأة كما شرعها منذ سبعين عاماً الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ورغم اختلاطنا وتشاركنا ذكوراً وإناثاً في الدراسة والعمل ونشاطات عديدة اخرى إلا أننا مازلنا، بلا استثناء تقريباً ومهما كان مستوى تحصيلنا العلمي، عندما يُلمّ بنا مكروه ونفتح دار عزاء في فقيد ننصاع للاعراف دون تمحيصها أو (نكشّر) عن انيابنا الذكورية المخبأة فنعلن التفريق بين النساء والرجال في المَعْزى ونحدد لكل من الطرفين مكانا او زماناً خاصاً به كأن الخطيئة بعينها سوف تقع لو تقابلا فيه متجاهلين أن نسبة كبيرة من المعزين والمعزيات هم في الاصل أقارب أو اصدقاء أومعارف أو رفاق عمل يلتقون عادةً بحرية ومحبة في مختلف المجالات، علماً بإن المنطق البسيط المواجه يمكن ان يدحض كل التفسيرات والتأويلات التي يطرحها الذكوريون ويفضح تهافتها وخواءها، وحتما سوف يأتي يوم قريب نجد فيه هذه التفرقة الملفعة بالمزعوم من التقاليد قد زالت تماماً واصبحت جزءاً من الماضي ومن ذكرياته التي يتندر بها السمّار، ولقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا التحوّل في بعض مآتمنا التي تُخصص للنساء قاعة مجاورة لقاعة الرجال في دواوين العزاء الحديثة، حيث نرى كثيراً من الاخيرين يغادرون قاعتهم ويدلفون الى قاعة النساء لتقديم فروض العزاء الحميم مثلا الى زوجة صديقهم الفقيد او بناته، ولقد رأينا في مثل آخر كيف تجرأت اعلامية مرموقة توفي والدها مؤخراً فاعلنت عن استقبال المعزين والمعزيات معاً في قاعة واحدة سادها المزيد من التعاطف الانساني والمواساة الصادقة..

هدفي من حديثي اليوم عن طقس آخر من طقوس الموت ليس دعوة الناس في كافة المواقع الجغرافية ومن كل الشرائح الاجتماعية لأن يتخلوا دفعة واحدةً عن التفرقة غير المنطقية بين الجنسين في المعازي بعد ان تمكنوا من التخلي عنها في بعض العادات الأخرى برضاهم او رغماً عنهم فتلك دعوة لا تصدر إلا عن قراقوش احمق، وكل ما في الأمر مجرد تذكير للذين مازال فهمهم التقديسي الخاطئ للمتوارث من عاداتنا وتقاليدنا يعطي الذريعة للذكوريين حين يطالبوننا بالمحافظة عليها وكأنها من صلب الدين وذلك زور وبهتان، بدليل ان بعضاً منها مارستْها في الماضي اجيال مازالت بين ظهرانينا وها هي تجدها الآن قد تغيرت او غابت تماماً ولم تحدث كوارث هددونا بقرب نزولها على رؤوسنا ولم تتدهور أخلاقنا كما كانوا يتنبأون ولم يُصبْ دين أحد بالانتكاس كما كانوا ينذرون..!

وبعد.. ايها الناس، لملموا شجاعتكم وافتحوا عقولكم للهواء الطلق لتنتعش به افئدتكم وتصبح حياتكم قبل مجيء الموت أفضل وارحب واكثر يسراً، واكسبوا في هذا الشأن على الاقل (بياض الوجه) مع امهاتكم وزوجاتكم وبناتكم واخواتكم قبل فوات الأوان فربما حمل مستقبل العزاء وسائل وأساليب أخرى لا تخطر لكم اليوم على بال!