عقب قرار الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا في ديسمبر الماضي عادت مسألة مصير مقاتلي أوروبا الأجانب في صفوق تنظيم «داعش» إلى الواجهة، ومع إعلان قوات سوريا الديمقراطية معركتها الأخيرة ضد التنظيم في آخر جيوبه في البلاد تزداد الأسئلة إلحاحاً، وقد شكلت تغريدة الرئيس الأميركي ترامب قلقا إضافيا بعد أن كتب في تغريدته في 16 فبراير الماضي أن «الولايات المتحدة تطلب من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والحلفاء الأوروبيين الآخرين استعادة أكثر من 800 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية أسرناهم في سوريا من أجل محاكمتهم». وأضاف أن «الخلافة على وشك أن تسقط. البديل لن يكون جيدا لأننا سنضطر للإفراج عنهم»، وفد تباينت ردود الفعل الأوروبية على طلب ترامب وفشلت في اجتماع بروكسل بعد يومين بالتوصل إلى قرار محدد.

شكلت مسألة المقاتلين الأوروبيين الأجانب معضلة لأوروبا ففي بادئ الأمر أدارت الحكومات الأوروبية ظهرها للمشكلة بشكل عام، إلا أن بعض الدول أخذت تعيد النظر في مواقفها خاصة بعد التشجيع الأميركي، ولم ينقطع الحديث والجدل حول مصير المقاتلين الذين انضموا إلى تنظيم «داعش» أثناء فترة حكمه لمناطق واسعة في سوريا والعراق، فالمقاتلون الغربيون والأوروبيون تحديداً يشكل مصيرهم نقطة خلاف وحيرة سياسياً وأمنياً وشعبياً في أوروبا، وأحدث الأمثلة الفتيات البريطانيات الثلاثة اللاتي التحقن بالتنظيم وهن مراهقات ويحتدم الجدل الآن في المجتمع البريطاني إن كان يجب قبول عودتهن ومحاكمتهن أم لا ويشمل جميع الإشكالات القانونية المرتبطة بالحالتين.

تشير الأرقام إلى أن أكثر من 40 ألف مقاتل انضموا إلى التنظيم في فترة خمس سنوات بحسب المفوضية الأوروبية، يعتقد أن 5000 منهم قدموا من أوروبا.ويقدر عدد المقاتلين المأسورين، بحسب بيانات وحدات الشعب الكردية، في ديسمبر الماضي الذين انضموا إلى «داعش» 2700 شخص، بينهم 900 رجل و600 امرأة وأكثر من 1200 طفل، والأسرى قادمون من 44 دولة مختلفة، ويتم احتجاز النساء والأطفال في أقسام خاصة محاطة بأسلاك، في ثلاثة مخيمات للاجئين في شمال شرق سوريا.

على الرغم من طلب ترامب للدول الأوروبية باستعادة مقاتليها، فإن واشنطن نفسها التي دعت الدول الأوربية إلى تسلّم مواطنيها، رفضت عودة هدى مثنى إلى بلادها مرة أخرى، وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تغريدة نشرها على حسابه الشخصي: «لقد أصدرت تعليمات لوزير الخارجية مايك بومبيو، وهو يوافقني تماماً، بعدم السماح لهدى مثنى بالعودة إلى البلد!»، ووفق وسائل إعلام فإن مثنى، من ولاية ألاباما الأميركية، سافرت إلى سوريا قبل 5 سنوات للالتحاق بتنظيم داعش، وتزوجت من 3 رجال، وتقول إنها نادمة على ما فعلته وتتوسل أن يسمح لها بدخول أميركا مجددا.

لا تزال المقاربات الدولية تستند إلى معالجة قصيرة الأمد من خلال نموذج الحرب والعدالة الجنائية، فهي تتعامل مع مسألة المقاتلين الأجانب كإرهابيين أو باعتبارهم إرهابيين محتملين وفق منطق التجريم، مع أن الإحصاءات تشير إلى أن أغلبية المقاتلين الأجانب العائدين لا يتوفرون على نواية عدائية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بالإجراءات الأمنية والقانونية وتوسيع المقاربة على المدى البعيد لتشمل إجراءات أكثر نجاعة وفق منطق السياسات الليبرالية، والتي تتضمن عمليات الاندماج الاجتماعي، والتماسك المجتمعي، والعلاقة بين الدولة والمواطن، وفق استراتيجية شمولية تكاملية، فبحسب جيل دي كيرشوف يجب تقييم أي خطر قد يشكلوه على أساس كل حالة على حدة. فبينما يحتمل أن ينفذ قلة منهم هجوماً إرهابياً، إلا أن الكثيرين قد يكونون مخذولين ويعانون من الاضطراب ما بعد الصدمة. ولربما يشعر بعضهم أنهم قد أدّوا واجبهم كمسلمين من خلال دعم «الربيع العربي» ويحتاجون ببساطة إلى إعادة الاندماج في المجتمع.

يعتبر حجم التهديد الذي يمثله المقاتلون الأجانب على الدول الأوروبية أكثر بكثير من التهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة، نتيجة العدد الكبير من الأوروبيين وغيرهم من الغربيين الذين سافروا للقتال في سوريا. فوفقاً للعديد من المصادر الرسمية الأوروبية هناك 1800 مواطن فرنسي و أكثر من 750 بريطاني، و 720 ألماني بالإضافة إلى أكثر من 300 بلجيكي و 110 أسترالي و 100 كندي، و 90 من النمسا إلى جانب العديد من الدنمرك و فنلندا و هولندا و النرويج و السويد و سويسرا، ينتمون إلى شبكات جهادية داخل سوريا و العراق. و قد أضعف هذا العدد الضخم من المقاتلين الأجانب من قدرة بعض الدول الأوروبية على مراقبة العائدين بفعالية على رأسهم فرنسا.

على مدى أشهر قدمت اقتراحات عديدة حول التعامل مع مقاتلي أوروبا المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية، وهدد الأكراد بعد قرار ترامب بالانسحاب باطلاق سراحهم أو تسليمهم للنظام السوري، وطرحت مسألة نقلهم إلى «غوانتانامو» وكذلك نقلهم إلى السجون العراقية ومحاكمتهم هناك، وقبل يومين قالت صحيفة «حرييت» التركية، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سأل عدة مرات نظيره التركي رجب طيب أردوغان، عن مصير 800 مقاتل أجنبي في صفوف تنظيم «داعش» في سورية، بعد استكمال تحرير الأراضي من سيطرة التنظيم، وأن أردوغان عرض إبقاءهم بـ"مناطق معينة».

تلخص قضية الفتاة البريطانية شاميما بيجوم (19 عاما) الجدل حول التعامل مع المقاتلين الأجانب، وقد أطلق عليها الإعلام هناك «عروس داعش» التي يتعاطف معها البعض، ويخشى كثيرون عودتها، حيث غادرت شاميما بريطانيا قبل أربع سنوات وانضمت لتنظيم الدولة في سوريا، بعد أن تأثرت بدعاية التنظيم، وهناك تزوجت من جهادي هولندي يدعى ياغو ريدجيك لكنها بعد هذه السنوات ترغب في العودة لبلادها لتربية الطفل التي وضعته توا وذلك بعد أن فقدت طفلين قبله بسبب المرض وسوء التغذية، وطالبت عائلة شاميما لندن بإعادة ابنتهم مع طفلها، وقالت في بيان «كمواطنة بريطانية، تتوقع شاميما أن يجري إعادتها إلى بلدها، والتعامل معها في ظل النظام القضائي»، وأضافت الأسرة أن «طفل شاميما الذي سيكون بريطانيا بريء، وله كل الحقوق ليحصل على فرصة للنشأة في سلام وأمن بموطنه» وأكدت ترحيبها بأي تحقيق يجرى فيما اقترفته ابنتهم «في إطار مبادئ العدالة البريطانية».

قضية شاميما أثارت جدلا واسعا في بريطانيا بين من يرفض عودتها، ومن يعتبرها ضحية يجب مساعدتها، واتخاذ إجراءات إنسانية بحق الراغبين في العودة من الجهاديين، ومن يرى أن عودتها وغيرها ربما يجنب بريطانيا موجة جديدة من التفجيرات التي يتبناها التنظيم، زقال وزير الأمن بن والاس إنّ شاميما تملك الحق بالعودة رغم اعترافها بانضمامها إلى التنظيم. وأضاف في تصريحات تلفزيونية «هي مواطنة بريطانية ولها الحق في العودة إلى ديارها.. نحن ملزمون باحترام حقوق مواطنينا مهما كانوا»، ومن جهتها، تساءلت الكاتبة كاميلا كافينديش في مقال بصحيفة فايننشال تايمز عما إذا كانت شاميما ضحية؟ وتضيف أنه يمكن أن يكون قد غرر بها وهي في الـ 15 من عمرها لكنها اليوم امرأة صلبة وليست «المراهقة الحامل» التي تصفها وسائل الإعلام، وحذرت الكاتبة أليسون بيرسون عبر تغريدة على تويتر من عودة شاميما قائلة «عندما سئلت شاميما عما إذا كان قطع الرؤوس يزعجها قالت ما أفهمه أنه مسموح به من الناحية الإسلامية. لئلا ننسى ما نحن بصدده».

من منظور القانون الدولي، لا يمكن أن يكون هناك شك في أن الدول الأوروبية لا تستطيع تجريد من سافروا إلى سوريا من الجنسية، وعليها التزام بالتعامل معهم. بيد أن هناك فئتين من مقاتلي داعش الأوروبيين المعتقلين حاليا: المتطرفون من غير المقاتلين، والمقاتلون الذين شاركوا مشاركة فعالة في عمليات الإرهاب، وفي كلتا الحالتين، ومن منظور الأمن القومي وجمع المعلومات الاستخبارية، هناك الكثير الذي يمكن أن تجمعه الاستخبارات وأجهزة الأمن التي تستجوب أسرى داعش.

خلاصة القول أن تعامل أوروبا مع عودة مقاتليها يشكل امتحانا أخلاقيا، فحسب طلحة عبد الرازق إذا أخفقت الدول الأوروبية في التعامل مع مواطنيها، فإن داعش ستحقق نوعًا من الانتصار «الأخلاقي» مع أتباعها، وستُمنح دعاية تستخدمها في المجتمعات المسلمة في الغرب التي تحاول الوصول إليها والتوغل فيها.فقد سمعنا جميعاً الحجج التي يستخدمها المتطرفون لمحاولة ضم المسلمين إلى صفوفهم، من قبيل أن الغرب لن يقبل أبداً المسلمين، ويسعى إلى تدمير الدين الإسلامي وأسلوب الحياة الإسلامي، وسيشير تنظيم داعش إلى المتطرفين الأوروبيين الذين يكرهون الإسلام، مثل تومي روبنسون، الذين يُسمح لهم بالعمل بحرية، وسيتساءل لماذا لا يُسمح حتى للنساء والأطفال الذين عاشوا تحت حكمه ولم يشاركوا في العنف بالعودة إلى ديارهم. وسيقول داعش إن من الأفضل لهؤلاء الأشخاص أن يظلوا هاربين في الخلافة الروحية، إن لم يكن فيما تبقى من أرض الخلافة، بدلاً من محاولة العودة إلى الغرب.