هي وقفة للتأمل بين المحاضر الاول الذي طبقت شهرته الآفاق (العربية) حين بزغ نجمه كوزير للخارجية المصرية في عهد مبارك وصدّق الكثيرون – ومنهم هو – ان له شعبية واسعة بدليل اغنية اداها شخص لا يمكن ان يكون له علاقة بفن الغناء والموسيقى يدعونه ((شعبولا)) ثم ثبت أمام الملأ ان ذلك وهم زائل بدليل موقف المصريين منه بعد ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها ! إنه عمرو موسى الذي لم تسعفه سمعته الرنانة وخبرته السياسية لعشر سنوات في منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية لكي يكون في مستوى توقعات الحضور الغفير في منتدى شومان الثقافي الاسبوع الماضي وهو يلقي محاضرة ملتبسة العنوان (لم يكن الربيع ربيعاً.. ولكن سوف يأتي الربيع)!

وبين المحاضر الثاني الذي نشأ في وطنه المغرب وترعرع في خدمة مجتمعه المحلي في مدينة (أصيلة) وأهَّلهُ حصوله على درجة متقدمة في التعليم العالي وتفانيه في العمل العام لأن يكسب محبة اهل مدينته فخاض انتخاباتها البلدية دون ان يكون محسوباً على حزب سياسي او مدعوماً من قبل جهة ذات نفوذ وفاز برئاستها لدورات عديدة، ومن هناك حيث الجذور الاولى للتربية الديمقراطية الحقيقية انطلق الرجل الى العمل السياسي الرصين ودخل الوظيفة (الدبلوماسية) من اوسع ابوابها بلا واسطة ولا محسوبية ولا ارتماء في احضان احد حتى اصبح الدكتور محمد بن عيسى وزيراً للخارجية يبدع في اداء مهمته معبراً عن سياسة المغرب ثم يصبح مندوباً لها في الأمم المتحدة وهناك عرفه وزراء الخارجية العرب واعجبوا به ومنهم عدد من وزراء خارجيتنا السابقين الذين اقبلوا على منتدى شومان الثقافي في الخامس من تشرين الثاني 2018 بمحبة واعجاب للاستماع اليه محاضراً عن (النُخب والازمات العربية: رهانات المستقبل).

وبالمقارنة غير المقصودة لذاتها بين الشخصيتين السياسيتسن العربيتين ومن ثم بين محاضرتيهما يمكن التقاط نقاط ذات دلالة في ما قاله كل منهما حيث جاء كلام عمرو موسى عامّاً فضفاضاً كأنه يرتجل الاجابات على اسئلة مستعجلة للصحفيين بعد احد اجتماعات الجامعة العربية التي لا لون ولا طعم لها لكن رائحتها تثير المخاوف والشكوك ! في حين كان كلام محمد بن عيسى في محاضرته منهجياً موضوعياً لا يركب موجة اليسار ولا يدافع عن النظام السياسي المغربي بل يدفع بالوقائع والآراء والمواقف امام مستمعيه دون تملق أو استجلاب لشعبوية حتى حين كان يدرك مسبقاً أن ذلك لا يرضي بعض اصحاب الفكر السياسي الثائر لكنه في نفس الوقت يعترف لهم بحقهم في الحماس والغضب.

عمرو موسى في محاضرته استقطب جمهوراً اكبر فاق الضِعف وقد جاء اكثره لا لكي يستمع لمفاجأة لا يعرفها فكل حياة هذا السياسي المصري كتاب مفتوح معروف لا جديد فيه ولا شيء يدعو للاعجاب الجدّي، وقد كان بين الحضور عدد لا يستهان به من المسؤولين الاردنيين السابقين الذين عرفوه زميلاً من خلال مواقعهم الرسمية وجاؤوا لكي يلقوا عليه التحية لكن أياً منهم لم يتنبأ بنجاح ادائه كي لا يصاب بخيبة أمل وقال احدهم إنه – اي عمرو موسى – تكلم ساعة كاملة ولم يقل لنا شيئاً حتى في ردوده بعد المحاضرة على التعليقات والاسئلة !

وبعد.. تبقى مثل هذه المحاضرات مع تفاوت قيمتها العلمية أو الادبية مهمةً وطنية وضرورةً اجتماعية لجمهورنا الذي ما زال يتعوّد بها ومن خلالها على الاساليب الديمقراطية الحضارية في الحوار واحترام الرأي الآخر، ولقد أثبت في هذه المناسبات أنه على قدر عالٍ من الوعي يأبى تلقيناً ممن لا يثق بهم ويمج تنظيراً تبريرياً ممن اتيحت لهم فرصة الانجاز فلم يفعلوا، وانه يتمتع بمستوى من الشعور بالمسؤولية وضبط النفس رغم بعض الانفعالات التي تصدر عنه احياناً ونتفهم دوافعها وندرك أنها انعكاسات لماضٍ حُرم فيه طويلاً من حرية التعبير، كما اثبت منتدى شومان الثقافي كل الوقت أنه منبر رصين قادر على استيعاب اصحاب الآراء المتنوعة حتى وإن اختلف معهم أو اختلفوا معه.