على ساحل البحر الأسود في منتجع سوتشي الروسي، انعقدت القمة الثلاثية التي ضمت قادة كل من روسيا وتركيا وإيران، لمناقشة الأزمة السورية، التي سلطت الضوء على موضوعين أساسيين هما العنف المتصاعد في إدلب وانسحاب القوات الأميركية من سوريا، هذه هي القمة الرابعة التي تبحث الملف السوري، لكن ما يميز هذه القمة هي أنها الأولى التي تجمع تلك الدول بعد قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سورية.

من المنتظر أن تؤسس قمة سوتشي بنسختها الرابعة لمنعطف جديد في تسوية الأزمة السورية، بما يخدم مصالح الدول الضامنة، ويراعي السيادة السورية على حدودها، فقد أرست هذه القمة دعائم جديدة في قواعد التسوية للأزمة السورية، فقبل انعقادها لم يكن وارداً الحديث عن تواصل بين دمشق وأنقرة، أما اليوم فإن مبادرات عن المصالحة بدأت تتكشف بوادرها وتظهر للعلن.

اختتمت القمة أعمالها مؤكدة أولوية استكمال القضاء على الإرهاب أينما وجد، وضرورة الحفاظ على وحدة وسيادة سورية، وأن السوريين وحدهم الذين يحددون مستقبل بلادهم. وفي بيان القمة الذي تلا جزءا منه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار إلى أن الاتفاقيات الموقعة بين دمشق وأنقرة، ومنها اتفاقية أضنه عام 1998 التي تصلح لأن تكون أساس التنسيق بينهما، في قضايا ضمان الأمن والاستقرار على الحدود في شمال شرق سورية، دون المساس بسيادتها وحرمة أراضيها.

أما فيما يتعلق بإدلب فقد تعهد الرئيس أردوغان بمضاعفة جهود تركيا للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بخفض منطقة التصعيد والمنزوعة السلاح، هي ليست صفقة أو مقايضة لإدلب بأضنه، وإنما إنجاز توافق عليه القادة الثلاثة، وعلى ما يبدو دون اعتراض سورية. وبذلك أصبحت الظروف مواتية لإنهاء المظاهر العسكرية في سورية، لأن مجرد انطلاق الحوار السوري التركي، من شأنه أن يسحب البساط من تحت أقدام الأميركان، ويجعل لا معنى لوجودهم على الأرض السورية.

تناولت القمة مختلف القضايا العالقة، في ضوء المخاوف الناجمة عن إشكالية الإنسحاب الأميركي المنتظر من سورية، وكيفية ملء الفراغ الناجم عنه، مع ضرورة مراعاة مخاوف تركيا من تداعياته، وضرورة احترام سيادة سورية على امتداد أراضيها.

صحيح أن القمة حملت في طياتها اختلافات تعكس توجهات كل طرف في الأزمة، لكنها انتهت بتأكيد الزعماء الثلاثة حرصهم على تقديم نتائج إيجابية ملموسة، تكون أساس لضمان أمن سورية واستقرارها.

وفي البيان الختامي للقمة وهي الرابعة من نوعها، شدد الرؤساء فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني على ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لعودة اللاجئين السوريين إلى منازلهم، بالإضافة إلى تكثيف الجهود لإطلاق عمل اللجنة الدستورية في سورية في أسرع وقت ممكن، الأمر الذي من شأنه أن ينقل الأزمة السورية من الخنادق إلى صناديق الاقتراع كما تريد دمشق، وكما يريد العقلاء داخل سورية وخارجها.

أطراف القمة الثلاثية في سوتشي وإن تباعدت المسافات فيما بينهم إزاء الملف السوري، إلا أنهم يلتقون كحلف أمام الإدارة الأميركية، فالدول الثلاث تسعى للإمساك بكافة خيوط الأزمة وعدم ترك الساحة للدول الأخرى، لتحقيق الاستقرار الدولي، وبداية لانطلاق اتجاه جديد، في عالم يتطلع إلى التوازن الدولي في العلاقات الدولية.