وسط تنامي الحديث عن تصدع النظام العالمي وتنامي العسكرة وسباق التسلح وانتشار الإرهاب وشيوع النزعة القومية وبروز الهويات، شهد الأسبوع الثاني من فبراير الحالي انعقاد ثلاثة مؤتمرات دولية لها صلة بقضايا الأمن والسلام والحرب، وكان آخرها مؤتمر ميونيخ للأمن في نسخته الخامسة والخمسين، وقبل ذلك عقد مؤتمر وارسو عن «الأمن والسلام في الشرق الأوسط»، بالتوازي مع مؤتمر في سوتشي الذي خصص للمسألة السورية، وقد كشفت هذه المؤتمرات عن هشاشة الوضع العالمي وتفاقم الخلافات وزيادة القلق حول حول احتمالات الحرب والفوضى بدلا من السلم والأمن، وثمة شبه اجماع على أن كافة الفعاليات لن تؤدي إلى حدوث انفراجات بين الدول الكبرى لحل القضايا الملحة والمشكلات المزمنة.

في هذا السياق تقدم منظمات حقوقية وبيئية مناهضة للحرب تصورات متشائمة مناقضة لسردية مؤتمرات السلم والأمن وترى فيها دعوات للحرب، فعلى هامش مؤتمر ميونخ قالت تلك المنظمات أن «وقت العروض الكبيرة قد انتهى، والمؤتمر ليس إلا مجرد تجمع للحرب، وهم سيخرجون كنشطاء سلام إلى الشوارع، وسيقومون بتنظيم ما يسمى مؤتمر ميونخ للسلم»، داعين إلى التظاهر احتجاجاً على المؤتمر، حيث تشهد مدينة ميونخ تدابير أمنية استثنائية، شملت الطرقات الرئيسية والفرعية المؤدية إلى فندق بايريشر هوف، المكان المعتمد لانعقاد المؤتمر. وقال نائب رئيس الشرطة فارنر فايلر، إن نحو 4400 ضابط وشرطي من جميع أنحاء ألمانيا وبافاريا سيقومون بمهمة حفظ الأمن والنظام خلال أعمال المؤتمر.

انطلقت بعد ظهر الجمعة الماضية، أعمال مؤتمر ميونخ الـ55 للأمن، الذي يتناول هذا العام مواضيع تتعلق بالوضع السياسي العالمي والأمن والدفاع، إضافة إلى الحروب والأزمات الحالية التي تسود العالم، وبينها اتفاق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، والأزمة السيادية في فنزويلا والصراعات المتزايدة في سورية وشرق أوكرانيا فضلا عن ملف الإرهاب، وفي ظل نظام دولي يتعرض لاختبارات صعبة حسب خطار أبو دياب مع الفوضى السائدة على الدرب نحو تعددية قطبية عسيرة المنال في ظل تصدع العولمة، مع ارتسام سباق جديد للتسلح وحروب تجارية وإلكترونية وحروب بالوكالة وصعود النزعات القومية والدينية، إذ يمرّ العالم بفترة تاريخية، خلال العامين الماضيين، وتحديداً مع تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة، التي تقود المجتمع الدولي؛ بسبب قراراته «غير التقليدية» بالنسبة إلى أسلافه.

فسياسات ترمب أشعلت حرباً اقتصادية عالمية خصوصاً مع الصين، الشريك الاقتصادي الأكبر لبلاده، فضلاً عن انتهاجه سياسة «الدفع مقابل الحماية» مع دول حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي أثار غضب حلفائه الأوروبيين، ووصل الأمر بالرئيس الفرنسي ليقترح، في نوفمبر الماضي، إنشاء «جيش أوروبي» بعيداً عن الوصاية الأميركية، وفي هذا السياق، كان تقرير استراتيجي رسمي ألماني، صدر عام 2017، توقّع انهيار الاتحاد في غضون 20 عاماً، موصياً بإحداث تطوير نوعي غير مسبوق بآلياته وتسليحه لمواجهة سيناريوهات متوقّعة الحدوث، خاصة في المجال الأمني.

كان بوب كاجان المؤرّخ والمؤلّف الأميركي، قد حذر من شبح نشوب حرب عالمية ثالثة في مجلّة «فورين بوليسي» قبل عامين، إذ ينتهي كاجان إلى أن منح القوى التصحيحية هي قوىً تشعر بالسخط تجاه النظام العالمي، وتؤمن بأنّ مصالحها الاستراتيجية والإقليمية تكمن في تغييرمجالاتٍ أوسع لممارسة نفوذها ليس وصفة لتحقيق السلام والاستقرار، وإنما دعوة إلى النزاع المحتوم. وينبّه إلى أن الولايات المتّحدة لا يمكن أن تمنع الصين من تنمية قوتها الاقتصادية، ولا ينبغي لها ذلك، كما لا ينبغي لها أن تتمنى انهيارًا روسيًا، وبدون استعدادٍ أميركي للاضطلاع بالدور الذي لن تقوم به قوة أخرى، سينهار النظام العالمي تحت وطأة تنافس العسكري بين القوى الإقليمية، مشابهٍ للتنافس الذي شهده العالم في نهاية القرن التاسع عشر،وكانت نتيجة الانهيار الأول حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين، وربّما تكون نتيجة هذا الانهيار المرتقب حربًا عالمية ثالثة.

إن أحداث السنوات الأخيرة حسب أبو دياب تدل على مخاطر الذاكرة الانتقائية وكيف يمكن لعثرات التاريخ أن تتكرر ولو بأساليب أخرى. والأدهى أن تداعي النظام العالمي المرتسم بعد الحرب العالمية الثانية لا يتعرض فقط لنقض الاتفاقيات الدولية والحروب التجارية والسيبرانية وحروب المناطق الساخنة والعودة إلى «لعنة القوة»، بل وصل إلى نقطة حساسة جدا مع قرار موسكو تعليق روسيا مشاركتها في معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، وذلك بعد ثلاثة أيام من الانسحاب الأميركي من المعاهدة الموقعة في العام 1987 بين ميخائيل غورباتشوف ورونالد ريغان والتي مهدت لنهاية الحرب الباردة وتعتبر ركناً أساسياً لنزع التسلح إلى جانب معاهدة الأسلحة الاستراتيجية البعيدة المدى التي ينتهي العمل بها في 2021.

يأتي الزخم الذي اكتسبه مؤتمر ميونيخ للأمن، حسب محمود سعد دياب لكونه يعد الأقدم والذي يحظى بثقة المجتمع الدولي، لأن المؤتمرات الأخرى وارسو وسوتشي تكرسان لأهداف أخرى تحقق مصالح بعض الدول أو القوى الإقليمية والدولية، بينما يكرس ميونخ جهوده منذ انطلاقه عام 1963 لتحقيق السلم والأمن العالميين، فمؤتمر ميونيخ للأمن يُعد منصة فريدة في العالم للنخب الدولية في السياسة الأمنية، وليس هناك مكان آخر في العالم يجمع هذا العدد من ممثلي الحكومات وخبراء الأمن، لدرجة أنها في تصنيفها الجديد وضعت جامعة بنسيلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية المؤتمر للمرة الرابعة على التوالي في مرتبة أهم مؤتمر في العالم، والمؤتمر هو بوتقة للتواصل بين الفاعلين السياسيين للتعارف وتبادل وجهات النظر ولرسم الخطوط الحمراء، وقد تطور المؤتمر حتى ارتفع عدد المشاركين به من 60 شخصًا عام 1963، إلى أن وصل في الدورة الـ55 للمؤتمر عام 2019 إلى ما يقرب من 700 مشارك من كبار المسؤولين الذين يمثلون 70 دولة و1200 صحفي، وفاق مؤتمر ميونيخ للأمن فى أهميته مؤتمر دافوس الاقتصادى، وأصبح أهم مؤتمر دولى للأمن فى العالم، ويرأس المؤتمر منذ عام 2009 الدبلوماسي الألماني السابق، وسفير ألمانيا الأسبق في واشنطن، «فولفجانج إيشينجر».

جاء التقرير السنوي لمؤتمر ميونخ في مئة صفحة معبرا عن الوضعية العالمية الراهنة والمخاوف والتحديات التي يشهدها العالم تحت عنوان «اللغز العظيم: من يجمع القطع المتناثرة»، وفي عبارة موجزة لافتة أشار إلى أن «عهدا جديدا من المواجهة بدأ بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا»، وذلك بالتزامن مع الحديث عن فراغ في السلطة بالنسبة للنظام العالمي.

خلاصة القول أن حصاد مؤتمر ميونخ وتنائجه كانت متواضعة، ولا يعدو عن كونه مناسبة للتعبير عن التحديات والمخاوف ولم يتبلور عن توافقات دولية، وهو ما ينطبق على مؤتمر وارسو الذي غلب عليه مسألة التهديد الإيراني حسب رؤية واشنطن وحلفائها المقربين، لكن غياب روسيا والصين عنه، والتناقض بين واشنطن وكبرى العواصم الأوروبية غلّب الطابع الاستعراضي على الجانب العملي، وأمامؤتمر سوتشي بين روسيا وتركيا وإيران المخصص للمسألة السورية فقد شهد خلافات وتباينات في ملفي إدلب وشرق الفرات، ولم يشهد انفراجا في تصور الحل النهائي، وبهذا فإن المؤتمرات السابقة تتحدث عن الأمن والسلم علنا لكنها تستبطن الحرب وسباق التسلح.

hasanabuhanya@hotmail.com