أبواب -د. أمينة منصور الحطاب

مستشارة نفسية وتربوية

Ameeneh@live.com

قالت الممحاة للقلم: كيف حالك يا صديقي؟ رد عليها غاضبًا: لست صديقك ... أنا أكرهك! قالت له بدهشة وحزن لماذا؟ قال: لأنك تمحين ما أكتب، فردت عليه: أنا لا أمحو إلا الأخطاء، قال لها: وما شأنك أنت؟! قالت: أنا ممحاة وهذا عملي، رد عليها وهو يستشيط غضبًا: هذا ليس عملاً أنت مخطئة ومغرورة لأن من يكتب أفضل ممن يمحو، قالت: أليست إزالةُ الأخطاء تعادلُ كتابة الصواب؟! صمت القلم برهة ثم قال بشيء من الحزن: ولكنني أراكِ تصغرين يوماً بعد يوم، قالت: لأنني أضحّي بشيءٍ مني كلّما محوْتُ خطأً، قال القلم بصوت أجش: وأنا أشعربأنني أقصرُ مما كنت، قالت الممحاة وهي تواسيه: لا نستطيع إفادةَ الآخرين إلا إذا قدّمنا تضحيةً من أجلهم، ثم نظرت إليه بعطف بالغ وقالت: أما زلت تكرهني؟ ابتسم القلم وقال: كيف أكرهك وقد جمعتنا التضحية؟! قالت الممحاة والرضا يبدو عليها: يا صديقي لم أستطع أن أكون قلماً يكتب السعادة للآخرين فكنت ممحاةً لطيفةً تمحو الأحزان وتبث الأمل والاطمئنان.

لقد اهتم علماء النفس بمفهوم الرضا عن الحياة الذي يتضمن شعور الفرد بالسعادة وتمتعه بالحياة التي يعيشها، وبالتالي تمتعه بدرجة عالية من الصحة النفسية والسواء، وتصف منظمة الصحة العالمية الرضا عن الحياة بأنه "معتقدات الفرد عن موقعه في الحياة وأهدافه وتوقعاته ومعاييره واهتماماته في ضوء السياق الثقافي ومنظومة القيم في المجتمع الذي يعيش فيه"، وهو مفهوم واسع يتأثر بالصحة الجسمية للفرد وبحالته النفسية وباستقلاليته وعلاقاته الاجتماعية وعلاقته بكل مكونات البيئة التي يعيش فيها.

والرضا عن الحياة يوضح كيف يحكم ويقيم الأفراد حياتهم من وجهة نظرهم الخاصة ويكون هذا التقييم في جانبين: الأول معرفي ويتمثل في إدراكهم وتقييمهم للحياة بشكل عام أو تقييم جوانب محددة من الحياة مثل الرضا الدراسي أو الرضا الزواجي أو الرضا عن العمل وغيره... أما الثاني فهو تقييم الأفراد لحياتهم بناء على تكرار الأحداث السارة أو غير السارة التي تسبب إما السعادة والفرح أو التوتر والقلق والاكتئاب وبالتالي الشعور بالرضا أو عدمه بدرجات مختلفة.

لقد حاول الباحثون استقصاء العوامل التي تؤدي إلى الشعور بالرضا عن الحياة باعتباره أحد مؤشرات الصحة النفسية، كما حاولوا التعرف على الجوانب المختلفة في حياة الأفراد التي تسهم في زيادة مشاعر الرضا عن الحياة، ومنها: جوانب الحياة الصحية، والراحة المادية، والعلاقات الوطيدة بين أفراد الأسرة ومع الأصدقاء والمجتمع كله، والتكيف الدراسي، وتنمية الذات وفهمها، وكذلك التكيف مع العمل، كما يشتمل الرضا عن الحياة ثلاثة جوانب: هي تقبل الحياة، والانجازات، وتقبل الذات وتقبل الآخرين.

ومن مظاهر الرضا عن الحياة: السعادة، والطمأنينة، الاستقرار والتقدير الاجتماعي؛ لأن من يشعر بهذه الأشياء ويعمل على تحقيقها واشباع رغبته منها يكون راضياً عن حياته بصورة إيجابية، وتعد السعادة هدفًا للأفراد بالرغم من تباين إدراكهم لما يجلب لهم السعادة.

ويعد الشعور بالرضا واحداً من المكونات الأساسية للسعادة، وهو نوع من التقدير لمدى حسن سير الأمور في الحاضر أو الماضي، ويختلف الناس في درجة تقديرهم لمدى رضاهم عن الحياة ويمكن تفسير هذا الاختلاف بعدة محددات أو عوامل منها: تأثير الظروف الموضوعية على الشعور بالرضا؛ فالأشخاص المستقرون في زواجهم ولديهم عمل واعد وصحتهم جيدة أكثر سعادة من الآخرين، وإذا كان الشعور بالرضا لا يتأثر دوماً بالظروف الموضوعية فربما يتأثر بخبرة الأحداث السارة التي تولد المشاعر الايجابية فقد تبين أنه بمجرد وضع الناس في حالة مزاجية حسنة يزيد تعبيرهم عن الشعور بالرضا عن الحياة ككل. كما يزداد الشعور بالرضا عندما تقترب الطموحات من الإنجاز ويقل كلما ابتعدت عنه، ويحتمل أن تكون التقديرات الذاتية للشعور بالرضا عن الحياة معتمدة على المقارنة بالآخرين.

إن الإحساس بالرضا عن الحياة يشير إلى تقييم الفرد لمدى صحته النفسية وسعادته في الحياة استناداً إلى سماته الشخصية، كما أنه يرتبط إيجابياً بتقدير الفرد لذاته، وقد أوضحت الدراسات وجود علاقة عكسية (سالبة ودالة إحصائياً) بين الرضا عن الحياة وكل من الشعور بالوحدة النفسية والاكتئاب والغضب، ويسلم الكثير من علماء النفس بأن الإحساس بعدم الرضا عن الحياة ذو تأثير على شخصية الفرد وتكيفه وعلاقاته داخل المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه، وهو تأثير لا ينبغي إغفاله أو تجاهله إذا أراد الفرد أن يعيش حياة اجتماعية مشبعة ومنتجة.

كما أن الصحة النفسية للفرد، وقدرته على التكيف الشخصي والاجتماعي تظهر جليًا في استمتاعه بحياته وعمله وأسرته وأصدقائه، وشعوره بالطمأنينة والسعادة والرضا وراحة البال، أما العصابي فلا يجد للحياة طعماً ولا يعش حياته بل يكابدها وذلك من فرط ما يعانيه من توترات وصراعات غير محسوسة وما يقترن بها من الشعور بالقلق والسخط والذنب وعدم الرضا.

ويعد الاتزان الانفعالي حالة من الشعور بالرضا عن الحياة والسعادة نتيجة تكامل الفرد النفسي وتوافقه مع بيئته مما ينعكس على قدرته في التعامل مع المواقف الطارئة بالعقلانية والثبات والواقعية، كما أن الشخصية السوية هي التي تنظر بعين الرضا للواقع المعاش وتعمل على التوافق مع البيئة المحيطة بها، فالتوافق حالة من التواؤم والانسجام بين الفرد ونفسه وبينه وبين بيئته، وتبدو في قدرته على إرضاء أغلب حاجاته وتصرفه تصرفاً مرضياً إزاء مطالب البيئة المادية والاجتماعية، ومن علامات الشخصية السوية: التوافق الاجتماعي؛ الذي يظهر من خلال قدرة الفرد على عقد صلات اجتماعية تتسم بالتعاون والتسامح والإيثار فلا يشوبها العدوان أو الارتياب أو عدم الاكتراث بمشاعر الآخرين فهي علاقات متبادلة، أما التوافق الذاتي فيعرف بأنه قدرة الفرد على التوفيق بين دوافعه المتصارعة بشكل متوازن، وكذلك القدرة على تحمل الإحباط والصمود أمام الشدائد والأزمات، وأخيرًا الإنتاج الملائم من حيث قدرة الفرد على الإنتاج المعقول في حدود ذكائه واستعداداته وحل المشاكل بطريقة فعالة فهو يعرف كيف يواجه المواقف وقادر على إيجاد حلول بديلة إذا فشل.

وينصح خبراء الصحة النفسية ببعض الإرشادات التي تؤدى إلى السعادة والرضا عن الحياة وهى: قضاء أوقات الفراغ مع أناس تحبهم وترتاح معهم وتفرح بوجودهم معك، والبحث الدائم والجاد عن الأشياء التي تستمتع بأدائها، والابتعاد عن السلبية وكل ما يجلب لك مشاعر الضيق والحزن والتفكير بالجوانب الإيجابية وسبل تعزيزها، وتنظيم الوقت بين العمل والراحة، كما أن الخروج من روتين الحياة اليومية والتنويع يعطي الحياة بهجة، والعناية بالصحة الجسدية من خلال النشاط الحركي والتغذية الجيدة والعادات الصحية السليمة، وتطهير القلب من الحسد والحقد ونبذ الغضب لأنه يفسد المزاج ويغير الخلق ويسئ العشرة ويفسد المودة ويقطع الصلة ،وأخيرا التفاؤل وحسن الظن بالله وانتظار الفرج.

ويقول الله عز وجل في سورة النحل: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "، يعد العمل الصالح الذي يبتغى به رضا الله قاعدة وجدانية تضمن الأمن والاطمئنان النفسي والاتزان الانفعالي والتفاؤل وحب الحياة والرضا عنها، كما يوفر إحساساً بمعنى الحياة اليومية فهو يخفف من وطأة الكوارث والأزمات التي تعترض طريق الفرد، كما أن الشعور الديني يؤدي إلى الإحساس بالسعادة والرضا عن الحياة والقناعة والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره واليقين بأن الله عز وجل يتدخل في الأحداث المهمة من أجل الأفضل دائماً، ويتحقق ذلك للفرد من خلال: الدعاء والصلاة والشكر، الأمر الذي يوفر له أسمى صور الدعم والطمأنينة.