يترك المُمسكون الدوليون بـ"الملف الليبي"ليبيا وشعبها, يغرقون بالفوضى وتحكُّم الميليشيات المُسلّحة المسنودة بدعم قبائِلي وجِهوي ومناطِقي,في البلاد المُبتلاة بالتدخّلات الاجنبية(دع عنك تلك العربية التي لا تؤثِّر جدياً في مجريات الأحداث الجوهرِية,كون أوامر العمليّات خاصّتهم تأتي عبر المحيطات),لكنها..العواصم الغربية وخصوصا الثنائي الاوروبي الطامع بالهيمنة على ليبيا,وهما روما وباريس(والاخيرة مدعومة بِحذَر من واشنطن,كما يجب التذكير)تهّب فجأة ويعلو صوتها وتتزايد تحذيراتها للأطراف المُتصارعة على كعكة الحكم المسمومة,على بلاد تم تدميرها واعادتها الى القرون الوسطى، عندما تتعرّض حقول النفط الليبية الى الخطر,او تبدو وكأنها في الطريق للخضوع الى سيطرة جِهة غير مضمونة,وهو ما يتجلّى الان في الجنوب الليبي,حيث حقل «الشرارة» النفطي وذلك المسمى"حقل الفيل",إذ صدرت تحذيرات"صارمة"لقوات الجنرال خليفة حفتر,الذي يقود ما يوصَف بـ"الجيش الوطني"قائلة له برطانة فرنسية واخرى اميركية وثالثة من عواصم اوروبية لها شركات"تستثمِر» في«الحَقلَيْن» كإسبانيا والنمسا والنرويج (وفرنسا بالطبع): إيّاك والإقتراب منهما..تماما كما حدث (لو تذكرون) إبّان"أزمة"الهلال النفطي,الذي خضَع لعمليات كرٍّ وفَرّ,بين قوات حفتر وما سميّ - وما يزال - بحرس المنشآت النفطية,الذي يتبع حكومة"الوفاق"برئاسة فايز السراج، لكنه في واقع الحال ليس سوى عناصر مُسلّحة تنتمي لعدة قبائل محلِية, تتولى حماية تلك المنشآت مقابل عوائد مالية مجزية.والأمر يتكرّر الان,إذ بعد الإعلان المدوّي عن سيطرة قوات حفتر على حقلَيّ الشرارة والفيل,ما لبث الغموض ان سيطر على المشهد, لنكتشف في النهاية ان"جيش"حفتر ابتعد عنهما، وتقدّمت أنباء حظر الطيران في المنطقة الجنوبية والتهديد"الحفتري"بإسقاط اي طائرة تعبرأجواء تلك المنطقة,ثم إصدار"المشير"أوامِره بالسماح للطائرة المدنية التي تعرّضت لاطلاق نار خلال هبوطها في مطار قريب من حقل الفيل,المغادرَة الى طرابلس,بعد استِضافة"طاقَمها وهم من"المُمرضين"ومعهم.."المدعو»..علي كَنّه.

علي كَنّه؟

.. نعم هو عسكرِي يحمل رتبة «فريق",وقيل في سيرَته: انه أحد جنرالات الأخ العقيد معمر القذافي قائد الثورة, وانه – كنّه – ما يزال على «ولائِه"للعقيد.وهو الان في"خدمة"حكومة فايز السرّاج,حيث عيَّنه الأخير آمراً لمنطقة سبها العسكرية,ويَتّهِمَه المشير حفتر, بانه"يَنصُب العداء للجيش الوطني».

ما يعني..ان السراج قد يكون"نجَحّ"في العثور على شخصية عسكرية ذات حضور(وتاريخ)في المشهد الليبي"القذافِيّ"السابق,تستطيع منازَعة حفتر...النفوذ,وربما يتمَكّن لاحقا من استمالة بعض ضباطه وجنوده, على نحو يبدأ زحف قوات الفريق"كنّه"من الجنوب نحو الشمال,على عكس ما فعله حفتر,عندما بدأ مشواره للسيطرة على ليبيا مِن الشرق,حيث برلمان بنغازي الذي يدعمه,أقلّه حتى الان, ودائما ما يجد افرقاء الحرب والفوضى في ليبيا, الذريعة لتحركاتهم العسكرية في الزعم بـ"مكافحة الارهاب", بما هو عنوان يجد صدى لدى عواصم الغرب الإستعماري, التي اخترعت هذه الأحبولة كغطاء لمحاولاتها التي لم تتوقّف,لاستعادة وتكريس سيطرتها على الموارد العربية وبخاصة النفطية والمالِية والاسواق المُستهلِكة لمُنتجاتِها.

من السذاجة الاعتقاد ان ما يجري في ليبيا من فوضى واقتتال هو مُجرّد مواجهات داخلية,بل صدى وانعكاس لصراع دولي مُحتدِم بعضه داخل القوى الغربية الاستعمارية نفسها,وآخَر ببُعد دولي,تُجدّد فيه واشنطن رغبتها باستعادة أجواء الحرب الباردة مع موسكو(وبيجين)وبخاصة ان ليبيا هي إحدى ساحات المواجَهة الاميركية الروسية,بعد ان رأى الكرملين"عن حَقّ"ان ما جرى في ليبيا ليس سوى تدخّل غربي فظّ,تم فيه إسقاط نظام القذافي,اكثر مما بدا وكأنه ناتِج عن قرار دولي(بدعم وتحريض من"جامعة عمرو موسى"التي التأمت في سرعة وحماسة مشبوهة,من أجل شرعَنة الغزو الأطلسي).

الآن تُبدي واشنطن مخاوِفها,من وجود دعم «روسي» للمشير حفتر.وهي تسعى للحَدّ منه ومنع حفتر من التوقيع على عقود توريد أسلحة او الإستجابة لرغبات موسكو(..)بناء قواعد عسكرية او بحرية في ليبيا,او في المنطقة(الجزائر مثلا).كما اشار الى ذلك بوضوح قائد القوات الاميركية في افريقيا(أفريِكوم)الجنرال توماس والدهاوسر امام الكونغرس الاميركي الاسبوع الماضي.

كل تلك «المخاوف» الاميركية برزت الى العلَن بصورة مباشرة,بعد ان بدأ المشير حفتر حملته السريعة و"الناجحة"نحو الجنوب,ما أشعل الاضواء الحمراء في اكثر من عاصمة غربية وخصوصاً انقرة,حيث كان مثيرا ولافتا التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية المصري سامح شكري يوم أمس,عندما وَصَفَ الدور التركي في ليبيا بانه"مُقلِق",لافتا الى «جهات» تتدخّل في الشأن الليبي وتُقدّم الدعم والسلاح,وتوفير الموارِد للتنظيمات الإرهابية»..

المأساة الليبية متواصلة...لاعِبوها كُثر والطامِعون في نفطها وموِقعها الجيوسياسي الاستراتيجي يتزايدون,وليس بمقدور أَحد حسم السؤال الكبير: لصالِح أيّ مُعسكَر ستكون"الغلَبَة».. داعِمو حَفتر أم اؤلئك الذين جاؤوا بفايز السراج منذ أربع سنوات؟.

kharroub@jpf.com.jo