أبواب - زياد عساف

شهدت فرقة رضا للفنون الشعبية إنطلاقتها الأولى أواخر الخمسينييات ، لتنضم إلى كوكبةٍ من رواد الأغنية الشعبية في مصر والوطن العربي ممن تبنتهم هذه الفرقة ، أمثال محمد العزبي و ليلى نظمي و عايدة الشاعر وفرقة الثلاثي المرح ، وظلت هذه الأسماء حاضرة نسبياً و لغاية الاّن ، بالنسبة لها كان الأمر مختلفاً ، فبرغم تقديمها لمجموعة من الأغنيات لملحنين كبار، إلا أنها لم تحصد الشهرة سوى بواحدة منها فقط، دون أن يعرف المستمعون إسم صاحبتها واعتقد كثيرون أنها لمطربة أخرى، رغم أدائها الجميل وروعة الحضور ما يؤهلها لتبقى في الصدارة ، في زمن تبنى الإلهام و الإبداع، ولم تحصد منه سوى الإسم : إلهام بديع ! .

الحظ و أشياء أخرى ..

سيرتها الذاتية لم تدون بشكل كاف ، خاصة فيما يتعلق بالوضع الإجتماعي و الأسري على أقل تقدير ، لدرجة عدم تحديد تاريخ ميلادها ، وتقدير عمرها يتطلب استعادة الفيديوهات الخاصة بها ، والتي تشير بالتقريب أنها مواليد أواسط الثلاثينيات .

يرجع بعض المهتمين بالشأن الغنائي أن عدم شهرتها يعود لسوء الحظ ، وهذا الإستنتاج يجافي المنطق مع وجود أشياء أخرى تتعلق بتجربة الهام بديع تحديداً، بعد أن ظنت للوهلة الأولى أنها حظيت بالفرصة الكبيرة بإتمام عقد إتفاق مع الموسيقار بليغ حمدي ليلحن لها الأغنية الشعبية ( على حسب وداد قلبي يا بوي) من كلمات الشاعر الغنائي صلاح ابو سالم ، وحسب الواقعة التي أكدتها مصادر عديدة ، فإن هذه الأغنية أصبحت بين ليلة و ضحاها من نصيب العندليب عبد الحليم حافظ ، أو بالأحرى إستحوذ عليها بدون وجه حق بعد سماعه للحن أثناء البروفات ،ووجدها الفرصة المناسبة للتفوق على محمد رشدي حين أثبت الأخير أنه لا يضاهى بالغناء الشعبي وقتها ، وشكل للعندليب حالة من القلق دفعته لإعادة أغنياته مثل الملحمة الشعبية ( ادهم الشرقاوي ) و ( انا كل ما اقول التوبة ) اللتان اشتهر بهما رشدي ، والذي بدوره وكتصفية حسابات مع العندليب راح يحرض إلهام على الإنتحار بعد أن تكتب رسالة مسببة للرأي العام بأن الدافع لهذه النهاية سرقة حليم للحن ! .

وعلى رأي المثل الشعبي ( ضربتين بالراس توجع ) ، تكرر هذا الموقف بعد سنوات مع إلهام وبليغ أيضاً وحاولت أن تحصل منه على لحن ( القمر مسافر)، وبنفس الأسلوب كانت الأغنية من نصيب أحمد عدويه وغناها اّخرون منهم المطرب اللبناني نهاد طربيه .

كنوز ..

على الشاشة الكبيرة ظهرت أمال بديع بأربعة أعمال موزعة بالتساوي بين الغناء و التمثيل ، ثلاثة منها للمخرج نيازي مصطفى ، الفيلم الأول: دماء على النيل إنتاج عام 1961 ، تمثيل فريد شوقي و هند رستم و حسن يوسف ، واقتصرت مشاركتها بأغنية : قد ايه العشق ، الحان عبد الرؤوف عيسى و كلمات إمام الصفطاوي ومنها :

قد ايه العشق يابوي غدار ..قد إيه قاسي

خدني م الجنة و رماني بنار .. وعمل ناسي

وهي باللهجة الصعيدية وأدتها باقتدار خاصة مع أدائها للرقص الشعبي بامتياز بحكم الخبرة التي اكتسبتها من إنضمامها لفرقة رضا ومشاركتها بالعديد من الأوبريتات و اللوحات الغنائية ، الفيلم الثاني : كنوز إنتاج 1966 ،وشاركت به نجوم السينما عماد حمدي و كمال الشناوي و كوكا و نبيلة عبيد ، وبتعبير غنائي راقص و جميل أيضاً ، ولكن من اللون الشعبي الخاص بمنطقة الواحات المصرية هذه المرة ، وعنوان الأغنية : يا البير يا عريس ، كلمات عبد الفتاح مصطفى و الحان علي اسماعيل .

” لعبة الحب و الزواج ” 1964 ، كان اّخر أفلامها مع نيازي مصطفى ، واقتصر ظهورها على التمثيل فقط ، مع فريد شوقي و سعاد حسني و سمير صبري ، اختتمت أعمالها على الشاشة الكبيرة مع المخرج حسن الإمام ، بعد أن ضمها لطاقم فيلمه : إمتثال 1972 ،و جمع كل من ماجدة الخطيب و عادل أدهم و نور الشريف ، بالإضافة للتمثيل شاركت ببعض التابلوهات الراقصة بالفيلم ، طبيعة مشاركتها بهذه الأعمال لم تؤهلها لاستثمار السينما كوسيلة للشهرة ، ولم تعرض عليها أدواراً رئيسية أخرى تمكنها من ذلك ، فللمنتجين حساباتهم اّخر المطاف و تخضع لمنطق السوق و الربح و الخسارة أكثر من أية اعتبارات أخرى ، ولا يوجد في أرشفيها ما يدل على مشاركتها في أوبريتات إذاعية أو مسرحيات غنائية ، وافتقاد هذا النوع من الأعمال يقوِّض من إنتشار الفنان على الأغلب .

البلبل غنى ..

أغنيات قليلة من مجمل أعمالها تم تسجيلها بالإذاعة ، وعلى نفس المنوال بالنسبة للتلفزيون ، بالإضافة لألبوم غنائي وحيد يضم بعضاً من أعمالها ، منها ما صاغه موسيقياً أساتذة النغم و التلحين في مصر و الوطن العربي ، و البقية لحنها موسيقيون من الصف الثاني ،وفي كلا الحالتين ظلت هذه الأعمال خارج سياق الشهرة رغم جودتها ، ولاتقل جمالاً عن ماقدمنه سيدات الأغنية الشعبية تلك الفترة ، أمثال ليلى نظمي و عايدة الشاعر و شريفة فاضل وخضرة محمد خضر على سبيل المثال .

من هذه الأعمال : خاين يا زماني من ألحان محمد الموجي و كلمات ابراهيم رجب ، دار الهوى دار : كلمات سيد مرسي ، و ياروحي يا أمي : كلمات عبد الرحيم منصور ، و هما من تلحين الموسيقار بليغ حمدي ، رنِّة الخلخال : كلمات ابراهيم رجب و ألحان محمود الشريف ، قالوا العروسة مين : كلمات عبد الرحيم منصور ألحان محمد الشيخ ، ومن التراث الشعبي و الفلوكلوري المصري : لا والنبي يا عبده .

و ألحان أخرى كانت من نصيبها ومنها :البلبل غنى على سبل الغلة .. فكرني بيك وانا بملى القُلَّة ، ويا يمة يا ليل ، واصل ، شيخ الغفر ، مشمشة خمسة عليهم ، وده إسمه كلام ، بالإضافة لأغنيات تدل عناوينها على أنها أقل مستوى من أعمالها السابقة وهي : احنا اللي ضربنا الهوى دوكو ، عيب يا حكمشة ، اطلعوا من دول .

مالي شغل بالسوق ..

عربياً تعاونت مع الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدوكالي بأغنية تقول كلماتها : راجع تقوللي حقك عليا .. فاكرني ح انسى كتر الأسية .. واللي جرالي وياك كفاية .. هوه اللي شفته منك شوية ، وهذا اللحن من نمط المدرسة المصرية في الغناء التي سار على نهجها الدوكالي في مجموعة ألحان خاصة به ومنها أشهر أعماله :مرسول الحب

ومن ألحان الموسيقار و المطرب العراقي محمد جواد أموري غنت أثناء إقامتها ببغداد :

خلينا نشوفك خلينا وحياة الحب ارجع لينا

مو شاب الراس شو تقول الناس

أوف من الحب و أثاره كل من حب صارت ب شارة

كل من حب تاهت افكاره .

وغناها أكثر من مطرب عراقي ، إلا أنها أدتها بأسلوبها ، وبالإستماع للأغنية المتوفرة حالياً على مواقع النت يبرز جمال صوتها وسحر الشجن المؤثر بأدائها ، ويروي الموسيقار أموري في لقاء أجري معه قبل وفاته أنه حاول تصوير هذه الأغنية في استوديوهات التلفزيون العراقي ، إلا أنه لم يوفق بذلك نظراً لطبيعة القوانين و اللوائح وقتها ، ومن ألحانه شدت أيضاً بالأغنية العراقية الشهيرة : مالي شغل بالسوق وسجلها كذلك أكثر من مطرب عراقي ، ورغم نجاحها في هذا اللحن إلا أنه لم يصل للمستمعين في وطنها مصر لصعوبة تفهم اللهجة .

يا حضرة العمدة ..

في بداية المشوار لأي مطرب و مطربة حلم مشروع يتمثل بتقديمه لأغنية تمنح صاحبها شعبية مدوية تؤهله للإنطلاق لعالم النجومية و الشهرة ، هذا ما تحقق جزئياً لإلهام ، حين قدمت أغنيتها الشهيرة التي سبق التنويه لها : يا حضرة العمدة ، من كلمات محمد ياسين قاسم ولحن فتحي حجازي ، وسجلتها باستوديوهات التلفزيون المصري في زمن الأبيض و الأسود ، بمرافقة لمجموعة من راقصات فرقة رضا، و لازال هذا التسجيل موجوداً مع عدم وضوح الصورة للأسف .

حققت الأغنية مبيعاً ملفتاً يضاهي أغنيات أم كلثوم وقتها وتمضي الأعوام وتعود هذه الأغنية للظهور على شاشة التلفزيون المصري وبعد وفاة أمال عام 2002 وبثلاثة عشرة عاماً ، ومعها تعود ذكرى صاحبتها، وجاء التذكير هذه المرة من اليابان ، حين ظهر على شاشة التلفاز مجموعة كورال من الفتيات و الفتيان اليابانيين يقدمون هذه الأغنية بأداء جميل إحتفاء بيوم اللغة العربية ، والذي توافق مع انتهائهم من الفصل الأول من دراستهم للغة الضاد بإشراف المركز الثقافي بالسفارة المصرية في العاصمة اليابانية طوكيو .

بين الشوطين..

عوامل كثيرة خدمت هذه الأغنية أولها أنها من الأغاني الشعبية التي تعكس أجواء الريف والفلاحين المصريين ، والقيم الإجتماعية يلمسها المستمع في عبارات مثل ( كنز الغلابا شرف الصبية ) ، بالإضافة للشخصيات الشعبية المحببة التي تشكل أركان الأغنية مثل العمدة ، ومصاحبة راقصات فرقة رضا ، أما النجاح الأبرز كان بتحويلها لعمل للأطفال وضمن فيلم من الرسوم المتحركة ، و يحسب هذا الإنجاز للتلفزيون المصري ،و سبق وتكرر بأكثر من عمل يستحق الإشادة مثل: الليلة الكبيرة والتي تم تحويلها كعمل للأطفال ضمن عرض لمسرح العرائس وتصويرها تلفزيونياً ، و أوبريت الدندرمة وتم تصويره وعرضه على الشاشة الصغيرة في أيام الأبيض و الأسود أيضاً .

علقت ( يا حضرة العمدة) بأذهان الناس أكثر بفترة الثمانينيات عندما كانت تبث تلفزيونياً في وقت الذروة وأثناء بث المباريات المهمة وتعرض بين الشوطين ، إلا أن إلهام وللأسف ظهرت كمطربة في الوقت الضائع ، وضمن مباراة غير متكافئة لم تتقنها حين كان اللعب بين أقطاب الغناء الكبار ممن استحوذوا على فرصها الثمينة كما سبق وذهبت ضحية هذه اللعبة،ما أبقاها في الظل وهذه واحدة من الخسارات التي منيت ، بالإضافة لعدم الإهتمام من قبل المسؤولين عن صناعة الفن عموماً .

موقف ..

وحكاية إلهام مع ( العمدة ) نتاج موقف جاء بعد معاكسة تعرضت لها من قبل إبنه الذي ضربها

بـ (السفندية) أو مايسمى المندلينا في بلاد الشام ، وراحت تشكوه لوالده العمده ، هنا يكمن سحر العديد من الأغنيات العربية والتي تعبر عن موقف ما يتم تجسيده بلحن و أغنية ، وينطبق هذا على مئات الأغنيات مثل : عايز جواباتك لنجاح سلام ، مريت على بيت الحبايب محمد عبد الوهاب، صورتنا و احنا سوا محمد عبد المطلب، شوية مي قلبوا الحي شريفة فاضل وفايق عليي لفيروز .

أما عن ( المعاكسات ) من نوعية ما تعرضت له إلهام بديع فالمكتبة الغنائية تحظ بالكثير من هذه الصور الغنائية المتنوعة، ومنها بصوت ليلى نظمي وهي تعلن حيرتها من هذا الموقف : في الليل لوحدي في طريقي وانا ماشي .. سهاني الحليوه قال لي كلمة وتنه ماشي .. أنا مكسوفة احكيها لماما ولا لأ عيب يا ندامه .. حوش يا شاويش دا سرقني وماشي ! .

بعدين معاك..

حالة من ( السرسبة ) عاشتها صباح مع شيء من هذا العتاب: بعدين معاك !.. بتلف تلف ورايا و بتتعب نفسك ليه .. لو شافك حد معايا .. حيقولوا علينا أيه ؟! ، إلهام بديع اكتفت بالشكوى للعمدة ، أما رد فعل شريفة فاضل تجاه هذه المعاكسة تمثل بإحضار أخوتها لإجراء اللازم :

بعدين معاك يا واد انت كتر الكلام في الحتة

إخواتي بدل الواحد عقبال أمالتك ستة

لو كلموني أجارك لو كلموك يا نهارك

حيقطعوك مية حتة ! .