أبواب - ندى شحادة

تعدّ القدوة الحسنة من أفضل الوسائل فاعلية وأكثرها نجاحا في تنشئة الأبناء، فكلمات المربين سواء أكانوا الوالدين او المعلمين تبقى كلمات مهما كثرت أو قلت ما لم تتجسد كأفعال يعيشها الطفل، ويبقى المنهج التربوي مجرد أفكار معلقة الى أن تترجم لتصرفات وسلوكيات يمكن ملاحظتها.

ويبين الباحث في مجال الأسرة والطفل عبد الله مياس أن: «الخطاب التربوي يمكن تصنيفه إلى ثلاثة اتجاهات حتى يكون متكاملا وفاعلا في تحقيق هدفه، الأول: هو ما يتعلق بالجانب النظري في ذكر الثواب والعقاب، والثاني: هو حكاية الفعل مثل ذكر سيرة شخصية تاريخية ما أو معاصرة وسرد أهم مميزات هذه الشخصية، و الأخير: هو رؤية الفعل وهو التطبيق العملي».

ويتابع: «إذا نظرنا الى اكثر هذه الاتجاهات اهمية في تكوين الدافعية لدى المتلقي نجد ان اتجاه تطبيق الفعل، واتجاه حكاية الفعل هما الأقوى في التأثير، واللذان يمثلان موضع القدوة».

ويعرف القدوة الحسنة بأنها هي نموذج بشري مؤثر يمتلك صفات أخلاقية يحبها الناس ويسعون إلى التأسي بها وتقليدها، فربما يكون الأب، أو الأم، أو المعلم،أو الإمام في المسجد، او شيخ العشيرة، أو صاحب المنصب، أو الشخصية الإعلامية، فأي انسان يتصدر الموقف هو في غالب الحال «قدوة».

ويشير الى أن: «مبدأ القدوة ينطلق من أن النفس البشرية مجبولة في طبيعتها على التأسي والتطبع بصفات وأخلاق من تهوى أو من تحب، فاذا ما لاحظت الطفل الصغير الذي يحب والده، فانه بلا شك يتأسى به ويقلده في مشيته ولبسه وكلامه، وهكذا هي طبيعة إلانسان إذا أحب نموذجا بشريا فانه يحاول أن يكون مثله في صفاته وأقواله وأفعاله».

ويقول مياس: «من هنا وجب على المجتمعات ككل إخراج نماذج متميزة من جميع الجوانب السلوكية والأخلاقية والدينية والتربوية حتى يتحقق في المجتمع التكامل والانسجام والسلام والتنمية».

ويؤكد: «أن أهمية القدوة كبيرة، فقد تغني عن المواعظ المؤثرة والخطب الرنانة والكتب المطبوعة والكلمات المنمقة، فالمتلقي إذا أحس بالثقة من الشخص المقابل له فهذا أحرى بأن يسلم له زمام أمره، ويقبل ما يقوله و ما يفعله، فينعكس ذلك في حياته نجاحا وتوفيقا».

وتبين الباحثة في علم النفس التربوي والذكاءات المتعددة مي قطاش بأن: «مستويات فهمِ الكلامِ عند الناس تتفاوتُ، لكنَّ الجميعَ يتساوى عند النظر بالعين؛ فالمعاني تصل دون شرح، لذلك تعدّ القدوة من أهم طرق تربية الأطفال، فهم يلتقطون كالرادار ويسجل الطفل سلوكيات والده ووالدته التي تنطبع فى ذهنه ويعمل على تقليدها، فيقع على الأسرة مسؤولية خطيرة بأن تكون قدوة صالحة ونموذجا طيبا».

وتضيف: «يولد الطفل نقي سليم من العقد النفسية والاجتماعية والثقافية؛ وأول ما يقع عليه بصره وبصيرته هو والديه وأسرته وأول ما يحتاج تعلمه كيفية التعايش مع هذا الكون الجديد، فلا يَسْهُلُ على الطفل إدراكُ المعاني المجردة، لذا فهو لا يقتنعُ بأوامر المربي وكلماته بمجرد سماعها بل يحتاج إلى مثالِ واقعيِّ ملموس يدعمُ تلك الكلمات في نفسِه ويجعله يُقْبِلُ عَلَيها ويَتَقَبَّلُها ويعملُ بها».

وتبين أن: «القدوةُ الصالحةُ تؤتي فوائدَ تربويةً عظيمةً في تنشئةِ الأطفال فهي تحققُ الانضباط النفسيِّ والتوازنِ السلوكيِّ للطفلِ، كما أن وجود القدوة الحسنة يثيرُ في النفسِ قَدْراً كبيراً من الاستحسان والإعجاب والتقدير والمحبة».

وتذكر أن: «القدوة تعتبر وسيلة فعالة لتعديل أنماط السلوك الخاطيء وغير المرغوب فيه لدى الأطفال، ويعتبر أسلوب عرض النماذج السلوكية التطبيقية في مواقف حية أسلوبا جيدا، لأن تقديم النموذج الإيجابي للطفل وسيلة فعالة لتعديل السلوك».

وتنصح الآباء بأن يكونوا كما يريدون لأبنائهم أن يكونوا؛ فلا تمل عليه نصائحك بل إبدأ بنفسك وافعل ما تريده أن يفعل فهو سيقلدك في أخلاقك وصفاتك وطريقة معالجتك للقضايا والمشاكل العارضة في البيت وخارجه».

وتتابع: «اقترب من إبنك واسمع له وصاحبه وتحبب اليه، كن صادقا معه في أقوالك وأفعالك، كُن وفيا بوعودك ولا تعده بما لا تطيق، ولا تراوغه فتعلمه المراوغة والخداع، علِّمه التواضع عمليا ولا تبخسه حقه ولا تهينه ولا تسمح لأي كان أن يهينه أو يقلل من أهميته، كن حريصا عليه وحليما متجاوزا عن الخطأ واحذر أن تلطخ صفاء فطرته بكدر الشكوك والظنون والمخاوف والأوهام».

ويبين مياس: «إذا نظرنا في أعظم القدوات وأكثرهم تأثيرا نجد أنهم الانبياء عليهم الصلاة والسلام، ونجد أن الله اختارهم واصطفاهم من خيرة البشر وأعظمهم اخلاقا وأكثرهم قبولا، حتى يكونوا قدوة لأقوامهم في كل منحى من مناحي الحياة».

ويتابع: «يقول الله تعالى عن انبيائه «لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة» فمن صفات القدوة الحسنة، الإخلاص في الأقوال والأفعال، والإستقامة في أمور الدين، والوسطية والإعتدال في الحكم والنظر إلى المواضيع المختلفة، واستقلال الشخصية دون الإنصياع أوالانقياد لجهة ما، فلا يكون منقادا لأشخاص يسيرونه بحسب أهوائهم».

ويضرب مياس أمثلة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على القدوة، ويقول: «لو تأملنا سيرة النبي صلى عليه وسلم لوجدناها مثالا حيا على الأسوة الحسنة في تطبيقات الحياة المختلفة الدينية والدنيوية والدعوية، فمثلا تجلت سيرته بأخلاقه العظيمه التي كانت سببا في قبول الناس لدعوته ورسالته».

وفي ذات السياق يبين مياس أن: «هناك خطورة بالإقتداء بالنماذج السيئة، فالمخيف في موضوع القدوة إذا تم التعلق بنماذج تخالف في أفعالها وأخلاقها وسلوكياتها الدين والعرف والعادة، والمخيف أكثر اذا ما صارت هذه النماذج تدعو الى الشر، وهذا ما نراه كثيرا في الاعلام، فهو اكبر وسيلة مروجة لهذا الموضوع، من غير تدقيق ولا ضوابط، فنجد ان نماذج كثيرة اخترقت عقول الشباب والأطفال فيتخذوها قدوة لهم، وهذا بلا شك سيؤدي مستقبلا الى انسلاخ المتلقي عن اعرافه وقيمه باتباعه للقدوة السيئة المبثوثة إعلاميا».