الضجيج الذي حصل على قانوني ضريبة المبيعات والدخل غير مبرر، لو أحسنا وضع الأولويات

نعاني من ترهل اقتصادي وإداري إضافة لفقدان المصداقية والجدية

الأزمة المالية المستعصية في البلد تحتاج إلى تخفيض الكلفة الإنتاجية والإدارية

استمرار الفكر والإدارة والقيادة الاقتصادية على حالها دون مراجعة حقيقية يجعل الأمور أسوأ مما هي عليه

أدخلت إصلاحات على الموازنة أفقدها القدرة على الرقابة والتخطيط الحصيف

التهرب الضريبي تقع مسؤوليته على البائع

في كل مرة تجري فيها مناقشة الموازنة العامة للدولة، يستذكر العديد من النواب والمحللين سامي قموه الذي لديه ما يفسّر به عدم قناعته بكل الموازنات المتعاقبة منذ عدة عقود.

قبل أن يتولى الحقيبة الوزارية، كان أبو فارس، تولى مرارا إدارة الموازنة العامة في وزارة المالية، معزّزاً بتأهيل أكاديمي ودراية واسعة في موجبات ترادف العقلية الاقتصادية لدى القطاعين الخاص والعام. ولذلك فإن مآخذه على خطة العمل السنوية، كما تختصرها الموازنة العامة، يأخذها ذوو الاختصاص في القطاعين العام والخاص، على محمل الجدّ.

يؤمن سامي قموه أن الأزمة المالية المستعصية في البلد تستدعي تخفيض كلف الانتاج والإدارة لجميع المؤسسات. ويعرف تماماً كيف أن تصنيع وتبويب الموازنة العامة يمكن أن يسهم في تقليص وإزالة مظاهر الترهل والبذخ غير المبرر في الدولة.

في حديثه اليوم عن مصادر الأوجاع العامة المتداولة، يستحضر الرجل موضوع غياب المشاركة في صنع القرار، ونسق تبديل الحكومات والأجندات، وحجم التهرب الضريبي، وخصخصة الفوسفات التي لم تكن مبررة، وشبكة أخرى متداخلة من الاعتبارات والممارسات التي أضعفت ثقة الشارع بالقرار الرسمي .

ويرى قموه أن ما زاد في اتساع فجوة الثقة، ضخٌ موصول من الشائعات المُصنَّع بعضها في الخارج. فكانت النتيجة ما نشهده اليوم من ارتفاع حالة التشاؤم واللايقين وغياب التدفق الاستثماري، وبقية الظواهر التي جعلته هو، وجمعية الشؤون الدولية التي يشارك في عضويتها، يجهرون بالتشاؤم... التشاؤم الإيجابي المصحوب بوصفات علاجية تنتظر من يسمعها.

من واقع انكم الأب المؤسس للموازنة العامة بمفهومها الحديث، عندما كنتم في وزارة المالية مديرا للموازنة لمدة 4 سنوات.. ما الذي استجد على تبويب موازنة 2019 كما أقرت؟ وأين نقرأ فيها برنامج النهضة وبرامج الإصلاح باعتبارها، أي الموازنة العامة، كشفا رقميا بالعمل الحكومي لعام كامل؟

عملي في الموازنة العامة كان من نوع» العودة على بدء». بدأت موظفا فيها وعدت مديرا لها. كنت منذ تأسيس هذه الدائرة على اطلاع بقوانينها وأسباب إنشائها وآلية العمل فيها، الأمر الذي سهل مهمتي مديرا لها.

أعتقد بل وأجزم أن هذه الدائرة تستطيع أن تكون مؤثرة جدا في صنع السياسة المالية وصنع القرار المالي وتحديد أوجه الانفاق العام وكذلك مصادر الدخل والايرادات المتعددة.

مبعث هذه القناعة إيماني بأن الأزمة المالية المستعصية في البلد يحتاج إلى تخفيض الكلفة الانتاجية والإدارية لجميع المؤسسات، كون المسألة الاقتصادية الأردنية مثلها مثل معظم الأزمات الاقتصادية العربية تتمثل بالترهل الاقتصادي والإداري والمالي إضافة لفقدان المصداقية والجدية في المعالجة الجذرية للمشاكل على المستوى الإداري والمالي والاقتصادي، يضاف إلى ذلك ضعف الثقة.. ثقة المواطن بمؤسساته.

أما أسباب الظاهرة الوطنية المعممة في رأيي أولها: عدم توفر المشاركة الحقيقية في صناعة القرار وفي مراجعة القرارات ومحاسبة صانع القرار وتقوية الأجهزة وتوجيهها. ومنها أيضا الفهلوة والاستمرار في عملية الانفاق الترف والإسراف تحت مظلة لماذا لا نستمر ونستغل الفرصة في تنمية الوطن وبناء اقتصاده.

الأزمة الاقتصادية متصلة من عهد إلى عهد ومن حكومة إلى أخرى،. قناعتي أن الاقتصاد الأردني فيه كثير جدا من المقومات التي تمكنه من تخطي الأزمة المالية في بضع سنوات إذا أحسنا إدارته... ليس فقط على المستوى الرسمي بل على المستوى الخاص أيضا.

الترهل الاقتصادي مثلا.. مشكلة يعاني منها القطاع العام والخاص على حد سواء. لذلك مطلوب مراجعة صادقة لجميع فعاليات الاقتصاد الوطني والمؤسسات العامة والخاصة وحتى المؤسسات الطوعية، فجميعها تعاني من ضعف القيادات الإدارية ولا أستثني أحدا. وما أقوله معتمدا على تجربتي من خلال خدمة القطاع العام والخاص ومشاهداتي للإسراف الإداري والمالي للعديد من المؤسسات الناجحة التي سقطت في قبضة الإفلاس نتيجة سوء الإدارة.

نعم.. لدينا إسراف إداري ومالي في المؤسسات المالية والمصرفية وبعضه ظاهر وبعضه خفي. ما حدث في كل هذه القطاعات لم يكن وليد ليلة وضحاها، بل وليد ممارسة ترفيه استهلاكية غير مدبرة على مستوى الوطن والدولة وكذلك على مستوى المواطن وكل بيت. ولو نظرنا حولنا لوجدنا تفسيرا واضحا لما جرى ولما سيجري.. ان استمرار الفكر والإدارة والقيادة الإدارية الاقتصادية على حالها دون مراجعة حقيقية للنفس سوف يقود الأمور إلى أسوأ مما هي عليه.

ومتابعة لسؤالك أقول: لست راضياً عن كل الموازنات من يومنا هذا إلى عشرين سنة. الموازنة هي خطة عمل الحكومة المالية للعام المقبل، لا تستطيع أن تصنعها بالطريقة التي تصنع بها، كما أنه تم إدخال إصلاحات على الموازنة أفقدها القدرة على الرقابة والتخطيط الحصيف اللازم. من المفروض أن يتم إعادة النظر في كل الموازنة، بطريقة إعدادها، ويجب على وزارة المالية أن تفكر بطريقة دقيقة أكثر... لا يديرها من لم يكن صاحب اختصاص. لأن عمله عمل نقدي تسمى السياسة النقدية، ووزير المالية تسمى السياسة المالية، وهذه اختصاصات، مثل جراح القلب وطبيب العيون، فهناك اختلاف، لا بد من الإختصاص، وأعتقد بأن الميزانية كما هي معدة الآن تفتقر إلى كثير من القدرة على الرقابة والتخطيط السليم، ويجب أن يعاد النظر فيها.

الموازنة هي نفقات، ونفقات منتقاة. هي نفقات جارية ونفقات رأسمالية. هناك إيرادات والإيرادات يجب أن تكون ذاتية، لكن معظم إيراداتنا موزعة بين ذاتية و قروض، وهذا بيت القصيد.

ما هو بتقديركم حجم التبذير في الانفاق العام؟ وأيضا ما هو بتقديركم حجم التهرب الضريبي في البلد؟

سبق وقمت بعمل برنامج للإصلاح الاقتصادي عام 1993 وكان من أنجح البرامج، وكنا نملي ونتوافق مع صندوق النقد الدولي ونحقق ما نريده. وضعنا ضريبة مبيعات وأول شخص طبقها أنا بعد محاولات ثلاث حكومات لم تستطع تطبيقها، لكن المشكلة أننا إذا احتجنا إلى ضريبة نلجأ لزيادة الضريبة على أشخاص يربحون أكثر وعلى الأراضي. المشكلة كيف تجمع إيرادات الدولة، وكيف تحددها، وكيف تصل إلى الوضع العادل، فلا يجوز أن نضعها بطريقة عشوائية، لأنها بحاجة إلى تفكير أكثر جدية وأكثر عمقا. الضجيج الذي حصل على قانون ضريبة المبيعات وقانون ضريبة الدخل غير مبرر، لو أحسنا فعلاً وضع الأولويات.

التهرب الضريبي ليس من المواطن، لأن المسؤولية تقع على البائع. ضبط التهرب الضريبي يستلزم طريقة حضارية.

مع احترامي ومحبتي للقطاع الطبي، إلا انهم أقل من يدفعون ضريبة، وأكثر الناس شكوى. فنحن لم نصل إلى إقناع المواطن بأن الضريبة واجب وطني و أنها ستعود له بتنفيذ مشاريع وخدمات تخدمه.

الحقيقة ان لدينا تهربا ضريبيا بشعا، لا يسر العدو ولا الصديق. يجب أن يتتم معالجته بطريقة حضارية والأخذ بالوسائل الحديثة في تطبيق تحصيل الضريبة لما لا يتجاوز احترامك للمواطن، لأن جيب المواطن هو خزينة الدولة.

من واقع خبرتكم وخدمتكم في ثلاث حكومات: لماذا لم تستطع الحكومات المتعاقبة، وربما لم تحاول بجدية، أن تحقق الاستقلال الاقتصادي الحقيقي الذي نسميه الآن الاكتفاء الذاتي، والاستغناء عن المساعدات الخارجية؟

كما سبق وقلت لا تستطيع أن تحقق إنجاز أي خطة إن كنت وزيرا أو أمينا عاما لا تتجاوز مدته ستة أشهر أو سنة.. الوزارات يجب أن يكون لها مدة معينة، بحيث يستطيع الوزير أن يعمل. يجب أن يكون هناك تفكير عميق لوضع برنامج محدد. فليس من الخطأ أن نأتي بأشخاص من أي موقع، لكن يجب إعطاؤهم الفرصة الكافية والوقت.

هذا الموضوع يقودنا إلى تشكيل الحكومات التي يجب أن يكون لديها زمن لا يقل عن أربع سنوات. وآمل أن نصل إلى الحكومات البرلمانية.

أيضاً نجد الوزير لدينا 60 بالمئة من عمله داخل البرلمان يستمع إلى خطابات النواب، وبعد الانتهاء منها يأتي النائب إلى الوزير لحل مشاكله الخاصة أو العامة أو مشاكل الناس..الخ. هذا النمط الأردني بحاجة إلى إعادة نظر كلياً لتعيين الحكومات جميعها.

* شاعت انطباعات أخيرة ان جمعية الشؤون الدولية التي أنتم عضو في مجلس إدارتها، بدأت تستشعر مسؤولية أن توسع دورها وشراكتها في تعبئة بعض الفراغ في الفضاء السياسي المحلي الذي يشهد تقاطع مستجدات سياسية مع تفاقم في الأزمة الاقتصادية.. ما صدر عن بعض رؤساء الوزراء السابقين في آخر اجتماع للجمعية عمم انطباعا بان حكماء الجمعية يخرجون عن صمتهم بدواعي القلق.

لقد حضرت الاجتماع الذي تقصدينه في سؤالك، وحضرت المحاضرة التي تحدث الضيف، وبنفس الوقت سمعت التقييم وكنت من المشاركين مع الطرفين.

جمعية الشؤون الدولية من مؤسسات المجتمع المحلي التي تقوم بدور إيجابي. الشخصيات الموجودة كلهم ملتزمون ومجتمعون ومتفقون على شيء واحد، يكمن بمصلحة الوطن أولاً وآخراً، وليس خدمة الذات. جميعهم وصلوا إلى قمة الوظائف التي شغلوها في الدولة. ليس فيها شخصنة أو حب الظهور أو الاستعلاء.

نحن كأعضاء لا نستطيع محاسبة الجمعية قول بعض الضيوف. رئيس الوزراء الذي حضر هو ضيف، وسبق أن جاءنا ضيوف على الجمعية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، من أوروبا وأمريكا وكلهم تحدثوا، وسمعنا منهم. الآن الموجودون في الجمعية يقدمون أفكارهم وأفكار من يأتي محاضراً، فإذا كان هناك شيء جديد وذا قيمة ندعوا الضيوف ليتحدثوا ونسمع أفكارهم، فكل ما فيه فكر ومصلحة للبلد ويقدم قيمة مضافة لصانع القرار يتم رفع مذكرات به.

اجتماعاتنا مستمرة، وكل من في الجمعية أناس من السوية العالية كما قلت ونحن مستمرون في معالجة الخلل وننصح الحكومة، لأننا كثيراً ما نطرح أفكارا جيدة وممتازة.

جمعية الشؤون الدولية من الجمعيات الجاذبة جداً والمشمولة والمسكونة بهم الوطن. دورها إيجابي في كل ما يتعلق في الشأن العام.

استراحة

خمس سنوات في وزارة المالية أمضاها أبو فارس في بداية حياته الوظيفية، تم اختياره بعدها مستشارا اقتصاديا للسفارة الأردنية في القاهرة في فترة 1968 – 197، يقول عن "أم الدنيا" بعيدا عن العمل الرسمي؟

القاهرة جميلة.. بل جميلة جدا في بساطتها وعمقها وتاريخها وناسها، وفي كل ما تتمتع به من ثقافات متعددة متميزة.

رمضان في القاهرة لا شبيه له، وحي السيدة زينب والتجوال في حي الحسين يكشف جزءا كبيرا من تاريخها الماضي والمعاصر.. ماضي القاهرة المتجسد في المباني الأثرية والتراثية العتيقة التي يعود تاريخها إلى القرن الـ14 الميلادي، بينما تجد كل مظاهر الحياة المعاصرة وأسلوب معيشة المصريين في الوقت الحاضر. حي الحسين الذي لا ينام ولا يهدأ ليله موصول بنهاره، تمتد جلسات السهر والسمر فيه حتى الفجر، وهو مليء بالمزارات السياحية والترفيهية والدينية.

ومن الأماكن التي لا تمحوها الذاكرة مقهى الفيشاوي في سوق خان الخليلي أشهر مقاهي مصر والذي يعتبر مزارا رئيسيا لكافة الشخصيات البارزة والفنانين من مختلف أنحاء العالم، ورغم أن عمره يزيد على 160 عاما فإنه اكتسب شهرته بسبب كونه المقهى المفضل للأديب نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل، إضافة لمشاهير مصر فنانين وسياسيين.

هذا المقهى العريق المتواضع، غني بتاريخه، غني بمحتوياته:

غرفة صغيرة لكنها أشبه بمتحف وأثر معماري.. بداخلها، مرآة ثلاثية فريدة وساعة حائط كبيرة، يرجع تاريخها إلى العصر التركي.. راديو أثري قديم جدا، ونجفة ضخمة يرجع تاريخها إلى عام 1800م، تزين هذه الغرفة، وفي أعلى إنارة كلاسيكية وثقافية، حيث قناديل تفنن الصانع في إبداعها وأضفت على الغرفة مزيدا من الرهبة والإحساس الرفيع بالأصالة في الصنع والجمال.

رسالة التعايش التي تجسدونها في ديوان آلـ قموه:

الأردن يجمعنا ولأننا تربينا تربية عربية قومية، نشعر على الدوام بأننا قريبون من بعضنا البعض، وهي ميزة في وطننا والحمد لله. نعشق إربد كما نعشق معان والسلط والبلقاء وعجلون. هكذا هم الأردنيون، تربيتهم وطنية.

ديواننا في السلط مشرع للجميع، كمركز ثقافي ومقر للنشاط الاجتماعي في مجالات بمختلف أنواعها، وفي هذا المقر تجتمع العائلة في السراء والضراء ونقيم نشاطات ثقافية واجتماعية تهم الناس بما في ذلك معارض للرسم والشعر والأدب.. هو مكان يجمع كل الأحبة على أرضية الود والتآخي.