د. أمينة منصور الحطاب مستشارة نفسية وتربوية

يحكى أن إمبراطورًا في اليابان كان يقوم بإلقاء قطعة نقد قبل كل حرب يخوضها؛ فإذا جاءت صورة يقول لجنوده: سننتصر وإذا كانت كتابة يقول لهم: سنتعرض للهزيمة، لكن الملفت في الأمر أن هذا الرجل لم يكن حظه يوماً كتابة بل كانت القطعة تأتي دومًا على شكل الصورة وكان الجنود يقاتلون بحماس حتى ينتصروا، مرت السنين وهو يحقق الانتصار تلو الأخر حتى وحد اليابان وأصبح إمبراطورها الأول ولم يكن هناك من يجرؤ على الاعتداء على دولته، وعندما تقدم به العمر وجاءت لحظاته الأخيرة دخل عليه ابنه الذي سيكون إمبراطوراً من بعده وقال له: يا أبي أريد منك تلك القطعة النقدية لأمضي على خطاك وأحقق الانتصارات، فأخرج الإمبراطور القطعة من جيبه بكل صعوبة وهو متعب للغاية وأعطاه إياها، نظر الابن إلى الوجه الأول فوجده صورة وعندما قلبه تعرض لصدمة كبيرة فقد كان الوجه الأخر صورة أيضاً، فقال لوالده متناسياً وضعه الصحي: لقد خدعت الناس طوال هذه السنوات ماذا أقول لهم الآن أبي البطل كان مخادعًا؟! فرد عليه الإمبراطور: لم أخدع أحداً؛ هذه هي الحياة يا بني عندما تخوض معركة يكون لك فيها خياران: إما الانتصار وصمت برهة وقال أو الانتصار...

يلعب التفاؤل دوراً كبيرًا في حياتنا النفسية وسلوكياتنا وعلاقاتنا بالآخرين وفيما نقوم به من خطط مستقبلية قريبة أو بعيدة المدى، ولا نبالغ إذا قلنا أن جميع الأنشطة الايجابية سواء كانت فكرية أو عاطفية أو عملية ترتبط بشكل أو بآخر بما يدور في نفوسنا من تفاؤل وفي خلدنا من أفكار وما يشيع في قلوبنا من مشاعر ويؤثر ذلك في إدراكنا للواقع الخارجي.

إن كل ما يصيبنا من نجاح وما نضطلع به من مهام يعتمد على مدى إحساسنا بالتفاؤل، فتوفر الإمكانات الموضوعية بغزارة وتنوع لا يكفي وحده لبلوغ الأهداف وتحقيق النجاح في الحياة إلاّ إذا استبشرنا بالنجاح مسبقاً وشعرنا بالرضا والتوافق مع مطالبنا، فإذا لم يتوفر لنا القدر الكافي والمناسب من التفاؤل فلن نستطيع أن نخطو أي خطوة تقدم في الحياة، وهذه الخطوات تبدأ من قدرتنا على انجاز الأعمال إلى ما ينشأ بيننا وبين الآخرين من علاقات وما نصدره من أحكام عن أنفسنا وعن الناس ومدى شعورنا بالسعادة أو الشقاء، فالمتفاءل يأخذ من تفاؤله نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل ونجاح أكبر وإشراق أحلى.

ويعرف التفاؤل بأنه الإقبال على الحياة بإيجابية والاعتقاد بإمكانية تحقيق الرغبات وتوقع حدوث الأشياء الجيدة كما يعتقد المتفائل أن المستقبل يخبئ له النتائج المرجوة، إن تدريب الأفراد على اكتساب الصفات المرتبطة بالتفاؤل تحررهم من البقاء عالقين في براثن الفشل الذي قد يتعرضون له وتمكنهم من الشعور بالطاقة والحماس للأداء القادم، فيزيد التفاؤل من فهمهم لعملية التغيير والنمو الإيجابي في الحياة الأمر الذي يجعل الطلبة أفضل في الدراسة، والموظفين أكثر انجازًا، وحتى الرياضيين يجعلهم أكثر نجاحاً وإحراز للفوز.

كما يميل الشخص الناجح إلى التفاؤل الذي يصبح عنصراً أساسياً في شخصيته من حيث التعامل بايجابية مع الأشياء فهو يفكر في النجاح أكثر من الخيبة، وفي التقدم أكثر من الفشل ويميل إلى الثقة أكثر من التردد بل ويثق بكل ما يفعله، كما أن تفاؤله يعد منبع نشاطه وقوته وعلى عكسه يكون الشخص الضعيف الذي تسيطر عليه مجموعة من الاحباطات فتجعله غير قادر على النمو الانفعالي، وتعيق تقدمه وتطوره في هذه الحياة، إن التوقعات المستقبلية بعيدة المدى لخبرات الفشل والنجاح المفترضة في المواقف الاجتماعية والأكاديمية والرياضية ترتبط بشكل أو بآخر بالتفاؤل والتشاؤم فالشخص الذي يرتبط جوهرياً بالتقدير المنخفض للذات سيؤول إلى التشاؤم واليأس في تحمل عبء الندم عند الفشل، وعليه فإن علماء نفس الشخصية ينظرون للتفاؤل والتشاؤم بوصفهما خلفية عامة تحيط بالحالة النفسية العامة للفرد وتؤثران على سلوكه وتوقعاته بالنسبة للحاضر والمستقبل.

لقد أكدت البحوث النفسية أن التفاؤل والمزاج الايجابي أمران أساسيان لصحة الجسم ويسرعا من الشفاء في حال المرض، وبعكس التفاؤل التشاؤم الذي يرتبط بفقدان الأمل والغضب والعداء ويتسبب في مشكلات صحية كثيرة منها ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين والسرطان كما يؤدي إلى انخفاض كل من: مستوى الصحة، والعمر المتوقع، وارتفاع معدل الوفاة، وبطء الشفاء بعد إجراء العمليات الجراحية، كما أن كفاءة جهاز المناعة تزداد عند المتفائلين مقارنًة بالمتشائمين، حيث يقوم التفاؤل بدور وقائي هام يَنشط عندما يواجه الفرد صعوبات الحياة مثل تلك الناتجة عن المرض والفقر وفقدان الأحباب والأصحاب.

ويتميز المتفائلون بأنهم أقل قلقاً وأكثر قدرة على تحمل الشدائد، وأكثر ثقة وقدرة على اتخاذ القرار، وأكثر إبداعاً ولقد أظهرت الدراسات وجود علاقة إيجابية مرتفعة بين النظرة التفاؤلية والسعادة، وأن التفاؤل يرتبط إيجابياً بالسيطرة على الضغوط ومواجهتها وحل المشكلات بنجاح، وضبط النفس، وتقدير الذات والتوافق، والصحة الجسمية والنفسية، والعادات الغذائية الصحية، في حين يعاني المتشائم من القلق والضيق النفسي وانخفاض الثقة وعدم القدرة على اتخاذ القرار وتدني تحصيله الدراسي، كما يرتبط التشاؤم بالاكتئاب واليأس والقنوط، والوسواس القهري والعصابية، والعداوة والشعور بالوحدة وهبوط الروح المعنوية، وتناقص الدافعية، والشعور بالحزن، والانسحاب الاجتماعي.

ويعتقد البعض أن التفاؤل يتضمن توقعاتهم المستقبلية للأحداث فيتفاءلون إذا كانت الأحداث سعيدة ويتشاءمون إن كانت تعيسة، وقد يزعم البعض أنهم عندما يتشاءمون من أمور معينة يتحقق شعورهم بعد فترة زمنية معينة وتقع كارثة والعكس صحيح، ويفسرون ذلك بالرؤية الثاقبة أو استشراف المستقبل وتوقعه، وهكذا نجد الفرد قد أخذ يدرك المستقبل بما يتضمنه من خير وشر حيث يتجاوب وجدانيا بالاستبشار في حالة الأحداث السارة والخيرة وبالتوجس في حالة الأحداث غير السارة، وبالرغم من كل ذلك فإن للتفاؤل تأثيراً لا يمكن إنكاره أو التقليل من أهميته.

وهنالك العديد من العوامل المحددة لدرجة تفاؤل الفرد وتشاؤمه منها: العوامل البيولوجية التي تشمل المحددات الوراثية والاستعدادات الموروثة، والعوامل البيئية حيث يلعب الوسط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه الفرد دوراً في درجة تفاؤله أوتشاؤمه وللمواقف الاجتماعية المفاجئة نصيب في ذلك؛ فالفرد الذي يصادف في حياته بعض المواقف العصيبة المحبطة والمفاجئة يميل إلى التشاؤم، كما أن التعرض للضغوط النفسية والمواقف الصادمة والأمراض الجسمية قد يكون له أثر بالغ على حالة الفرد النفسية وتوقعاته ونظرته للمستقبل والتي قد يشوبها التشاؤم وفقدان الأمل.

إن لأساليب التنشئة الأسرية دوراً هامًا في نمو الأبناء، فكلما كانت عملية التنشئة إيجابية وتشعر الطفل بأهميته وقيمته واحترامه وتقديره وبأنه مرغوب فيه كلما كان الطفل أكثر توافقاً وتفاؤلاً، فالأسرة التي يسودها السلام والاستقرار تعكس جواً يسوده الحب والتفاؤل، بينما ينعكس جو الأسرة التي يسودها التوتر وعدم الاستقرار والمشاحنات والخلافات والتفكك سلباً على شخصية الطفل ونظرته للحياة والتي قد تتسم بالتشاؤم .

دعا الإسلام إلى التفاؤل ونهى عن التشاؤم، فالتشاؤم هو سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظنٍ بالله، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال، ولقد حرم الإسلام التشاؤم (التطير) وبين أن الأمور كلها مقدرة بعلم الله تعالى، فعن أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ محمد صلى الله عليه وسلم قال:" لَا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ".

Ameeneh@live.com