ثبت بالتجربة ان الكيانات الكبرى هي الاقدر على مواكبة التطورات في عالم سريع التغير بفضل قوة الاتصال وشغف التواصل، ذلك ان الاطر الحضارية والثقافية اكثر مناعة وصلابة في جمع الأمم وتماسكها مقارنة بالحدود السياسية وما يرافقها من سلبيات.

كان هذا واضحا عقب انهيار الدولة العثمانية وما أسفر عنه من حروب اقليمية وعالمية وازمات سياسية واجتماعية واقتصادية اجتاحت العالم بأسره.

تكرر هذا السيناريو عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وما أسفر عنه من حروب وأزمات في أماكن مختلفة من العالم في شتى مجالات الحياة، لذلك فلا غرابة ان تعيد الولايات المتحدة وكندا والمكسيك حساباتها من اجل الحفاظ على اتفاق بحد ادنى من الخسائر وحد ادنى من الارباح.

الاتحاد الاوروبي ربما كان تجربة مختلفة، فمنذ نشأته اعتاد على تجاوز الازمات والخروج بحلول مبتكرة حسب كل حالة، فمنذ البداية نجحت في الاستفادة من شركة مارسال فكان المال الاميركي وسيلة البناء والتقدم ومواكبة التطور اعادت بناء المصانع وزرعت الارض وخرجت اجيالا تستوعب التكنولوجيا فأصبحت ثروات اوروبا ضريبة للوحدة والتكامل وليس التناحر والفرقة والتحاسد.

الحرب الباردة كانت تحديا كبيرا واجه اوروبا فبزيادة التوتر بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة يزداد التوتر بين شرق اوروبا وغربها بل بين اقطاب غرب اوروبا ذاتها حول سبل ادارة هذا التوتر، فانعكس هذا التوتر على ازدياد الخلافات وشرذمة المواقف والاجتهادات مما يعني العودة الى المربع الاول من الحرب العالمية الثانية.

انهيار الكتلة الشيوعية كان ايضا تحديا كبيرا واجه اوروبا، فقد اظهر ازمات اقتصادية وعرفية واجتماعية كبرى في شرق اوروبا وما نجم عنها من حروب كادت ان تعصف بأوروبا، لكنها الحكمة وحسن الادارة كانت سيدة الموقف، فتمكنت المدارس الفكرية في اوروبا على اختلاف اجتهاداتها من الحفاظ على ثابت واحد هو الوحدة الاوروبية وما عداه فهو متغير فتحول النوع العرفي والثقافي الى فسيفساء رائعة في اوروبا بالطاقات المبدعة والخلاّقة والتي تحترم الخصوصية لكل شارع من شوارع اوروبا.

امام هذا الواقع ترسخت وحدة اوروبا وتمددت شرقا بعزم وهدوء وثبات فتحرك رأس المال الى جانب التكنولوجيا للاستفادة من الايدي العاملة الطموحة الماهرة فاتسع نطاق عمل رأس المال وازداد مردوده واتسعت دورته، مما ساهم في اتاحة الفرصة لمعالجة اي خلل في التوازنات بين القطاعات الاقتصادية مع ظهور ازمة المديونية تعلمنا درسا جديدا وهو ان تقاسم الازمات ضروري مثل تقاسم الاسواق والمنافع فقد بدا واضحا ان الاحتياطات المالية والمدخرات لها دور كبير في حركة الاسواق وان التخلي عن جزء من الرفاهية في مكان ما، يحل مشاكل مستعصية في مكان آخر.

هذه المنجزات لم تكن لتتحقق لولا تبعات اليورو، فمنذ البداية نجح في تثبيت الوحدة وان حرب العملات فيما بينها وبالتالي عزز من وجوده كعملة دولية يمكن الاعتماد عليها، فكلما ترسخ الاستقرار الاقتصادي بدت أوروبا اكثر قوة واستقلالية.

وفي الختام لا بد من ان يدرك صنّاع القرار في كل اوروبا ان الوحدة الاوروبية ستبقى هشة ما لم نتغلب على مسألتين:

المسألة الاولى: غياب قطبي اوروبا روسيا وبريطانيا. والمسألة الثانية: توفير الطاقة والنفط والغاز من خارج اوروبا، لكن الاستثمار في الطاقة المتجددة في دول غنية ومتقدمة تكنولوجياً له ميزات عدة اهمها: ان المزيد من الاستثمار سيؤدي الى المزيد من التقدم وبالتالي تقليل سعر التكلفة.