أبواب :خولة أبو قورة

لاحظت "أم طلال" انعزال ابنتها وميلها للجلوس وحدها ،إضافة إلى سعيها الدائم لتغيير مظهرها وانعدام شهيتها لتناول الطعام, كما أن مزاجها أصبح صعبا في الآونة الأخيرة فلا يعجبها أي شيء.

وبعد نقاش مستتفيض معها، اكتشفت أن ابنتها بدأت تقارن نفسها وأسلوب حياتها بالمشاهير من الفنانات مما خلق لديها حالة عدم رضا عن مظهرها وحياتها.

أما "رولا" وهي أم لطفلين في الصفين السادس والسابع فلاحظت أن كلا ولديها يتلفظان ويقومان بتصرفات غريبة عن البيئة التي يعيشان بها إضافة إلى المقالب التافهة والسخيفة التي يقومون بها والتي لا تمت لأخلاقنا ولا مجتمعنا بأي صلة.

وعند سؤالها لأحد الولدين التي بدأت علاماته بالتراجع، ماذا تريد أن تصبح عندما أن تكبر إذا لم تدرس وتحقق ذاتك، فأجابها "يوتيوبر" فهم يملكون الكثير من المال والسيارات الفارهة وغيرها.

أما أم قيس رأت كانت تجلس بجانب ولدها عندما كان يحضر إحدى الفيديوهات لأحد المراهقين الذي اشتهر عبر مواقع التواصل، وهو يتنمر مع أصدقائه على أحد أقرانه حتى جعلوه يبول على نفسه, فجلست وناقشت ابنها بأن هذا التصرف الذي قام به هذا الشخص خاطئ، ولا يجوز الضحك عليه بل يجب أن نشعر بالأسى نحو ضحية التنمر، و يجب أن لا نقلدها، و إذا رأينا مثل هذه الظاهرة علينا التصدي لها ومساعدة الضعيف،لكنه لم يبد حماسا وقبولا لما قالته.

ينتهج مشاهير "السوشيال ميديا" أو ممن يعدون أنفسهم بالمؤثرين أو الفاشنيستا أساليب مدروسة للوصول إلى أكبر عدد من المتابعين سواء أكان بإتباع أسلوب المقالب والسخرية أو أسلوب الناصح فيخاطبون الاحتياجات النفسية والمادية والغريزية لدى المتابعين.

يشرح ريادي الأعمال محمد عبد الله آلية عمل جلسات هؤلاء المشاهير وآلية التقاطهم لفيديوهات التي ينشروها خلال عمله في هذا المجال لفترة طويلة "يعاني العديد من الشباب من الاكتئاب جراء متابعتهم للمشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل ".

ويضيف: "الذي لا يعلمه هؤلاء المتابعين أن الصور والفيديوهات تنشر بعد أن يجري عليها الكثير من العمل الاحترافي من إضاءة "وفوتوشوب" إضافة إلى استخدام معدات مختلفة ليظهر هؤلاء المشاهير بأبهى حلتهم, ففي بعض الأحيان يستغرق التقاط صورة واحدة وقتا طويلا يصل إلى أربع ساعات".

ويضيف عبدالله"إن الحياة التي نراها ليست الحياة الحقيقة التي يعيشها هؤلاء المشاهير فمن السهل أن أخفي مشاعري الحقيقية خلف لكاميرات، فمن الممكن أن أبدوا سعيداً وأنا فعلياً تعيس أو حزين".

ووفقا للخبير في مجال "السوشيال ميديا" ثامر العوايشة فإن :"كل ما ينشر بواسطتها من مؤثرين وأحداث ورقصات وغيرها " تسونامي" يظهر فجأة ويختفي فجأة".

ولا يحدد تأثير هؤلاء الأشخاص والظواهر عدد المعجبين ولكن مدى التفاعل معهم, حيث يقوم معظم هؤلاء باستعراض إعلامي من أجل الظهور والوصول إلى أكبر عدد من المتابعين على مواقع التواصل ( انستغرام , سناب شات..) ليحصلوا على منافع مادية حيث تقوم الشركات باستغلالهم لترويج منتجاتها.

وبينت الأستاذ المساعد في علم النفس الاكلينيكي في جامعة عمان الأهلية الدكتورة فداء أبو الخير التأثيرات السلبية على المراهقين والشباب بشكل عام بقولها "تصيبهم حالة من عدم الرضا والقناعة عن حياتهم وقد يصل الأمر إلى الشعور بالإحباط والاكتئاب بسبب تصورهم للسعادة بمعايير محددة حسب الأشخاص الذين يتم متابعتهم مع أن هذه المعايير غير واقعية, ويتمنون العيش في نمط حياه هؤلاء المشاهير والحصول على ما يعرضونه من مقتنيات سواء ملابس وإكسسوارات وسيارات فارهة وغيرها".

وتشير إلى أن: "الفتاة مثلا تبدأ بالتساؤل،لماذا لا أستطيع أن أعيش هكذا، لما لست ثرية ولا يمكنني الحصول على هذه الأمور".

وتتابع أبو الخير "يبدأ المراهقون والشباب في تقليد لبس المشاهير وكلامهم وأسلوب تعاملهم , فينتج بما ندعوه "تشويه لصورة الجسد" و"تشويه للذات" فيخضعون لحميات غذائية قاسية تتطور في بعض الأحيان إلى أحد اضطرابات تناول الطعام , وفي بعض الأحيان يلجأ ون لعمليات التجميل ليصبحوا أكثر شبها بهؤلاء".

أسباب التأثر

توضح أبو الخير أن "سن المراهقة سن البحث عن الهوية ومرحلة التشكل واختيار ما سيكون عليه الشاب أو الفتاة، لهذا يبحث أحدهم عن نموذج معين ليقلده ويحاكي تصرفاته وغالبا ما يقلد المشاهير".

وتقول "من الأمور المؤثرة غياب دور الأهل الفعال في حياة المراهق وعدم الاستماع له وفي هذا السن يكون المراهق أميل للأشخاص في الخارج لأنه بحاجة إلى شخص يتقبله و يفهم احتياجاته والاختلافات التي يمر بها لهذا يحاول لفت الانتباه".

وتبين أبو الخير "بأن الفراغ الداخلي عند الشباب وعدم وجود هدف في حياتهم يجعلهم عرضة لأن ينجذبوا نحو أي شخص أو شيء, سواء كان ايجابيا أو سلبيا ومن هذه الأمور التطرف بغض النظر عن نوع التطرف ومن ضمنها التطرف في نمط الحياة والملابس".

وترى أبو الخير أن الحل "ليس بمنع الأبناء من متابعة هؤلاء الأشخاص بل يجب علينا إبقاء قنوات الحوار بيننا وبينهم مفتوحة ,وعلينا تقبل أفكارهم" .

وتؤكد على أهمية شغل أوقات أبنائنا "فلا يجب أن يعيشوا في عالم من الفراغ فيجب تنمية أهداف المراهقين في الحياة ،لأنه عند عدم وجود هدف يفقد هؤلاء البوصلة".

وشددت أبو الخير على "وجوب بناء علاقة صداقة بين الآباء وأبنائهم ليبقوا على إطلاع بكل ما يحصل معهم, ومعرفة أصدقائهم بعيدا عن أسلوب المراقبة والسيطرة".

ووفقا للمستشارة الأسرية والتربوية الدكتورة وداد جاد الله فإن المشكلة الرئيسية تكمن في "عدم وجود نموذج ايجابي يقتدي به الأطفال والمراهقون والشباب".

وتتفق جاد الله مع أبو الخير في "أن على الأهل تطوير قدرات أبنائهم وتنمية مواهبهم ليكونوا نماذج ايجابية لأقرانهم ليقتدوا بهم".

وتدعو "إلى ملء أوقات أبنائنا بأنشطة مفيدة ومحببة لقلوبهم لإبعادهم عن الأجهزة الذكية التي يتابعون من خلالها المشاهير والمؤثرين والفاشنيستا و اليوتيوبر على مواقع التواصل الاجتماعي كإشراكهم بأندية ونشاطات مختلفة".

وتبين جاد الله أنه "على الأبوين فرض قوانين في المنزل والالتزام بها مثل عدم إمساك "الموبايل" أكثر من ساعتين في اليوم، وأن يكون الآباء نموذجا إيجابيا، فيجب علينا أن ننتبه على سلوكياتنا فكيف لأبنائنا أن يحترموا القوانين إذا كنا نمسك بهواتفنا الذكية طوال النهار, وننشغل بها ونتابع هؤلاء المشاهير في بعض الأحيان".

وتوجه جاد الله الآباء قائلة "لا تمنعوا أبناءكم من التحدث عن هؤلاء المشاهير أو المؤثرين الذين يتابعونهم أو الألعاب الإلكترونية التي يمارسونها بل اتركوهم يتكلموا عنها وأصغوا لهم بانتباه وناقشوهم".

وتتحدث جاد الله عن ضرورية جاهزية الأهل لمثل هذه النقاشات ليكون لديهم حجج قوية دون قمع الأبناء وتقول "أعطهم المجال ليتكلموا بكل ما يجول بخاطرهم دون أن تغضب أو تهاجم الشخصيات التي يتكلمون عنها ويتابعونها, ومن ثم حاول إقناعهم بأسلوب إيجابي (أسئلة وحوار ) مثل استخدام لعبة مبادلة الأدوار فيمكنك طرح سؤال "هل توافق أن يكون ابنك أحد هؤلاء المشاهير؟ أو يمكنك أن تسأله ما حلمك أو طموحك؟".

وشددت جاد الله على ضرورة "إظهار الآباء اهتمامهم بكل ما يقوله أبناؤهم ليعبروا بكل حرية , وليس من الضروري اقتناع الأبناء بوجه نظر آبائهم في نفس الوقت, كما على الآباء إبداء احترامهم لوجه نظر أولادهم , وأن يقترحوا وجهة نظر أخرى وترك الأبناء ليفكروا بها".

وحذرت جاد الله الآباء من توجيه الأبناء لمتابعة نماذج إيجابية بديلة بشكل غير مباشر بعيدا عن أسلوب المنع لأن كل ممنوع مرغوب، فعندما أمنعه عن متابعة إحدى الشخصيات فإني أعطي الشخصية أكبر من حجمها, ويصرا الأبناء على متابعتها ويمتنعون عن إخبارنا ومصارحتنا فلا يعلق عليها ولا يعبر فيتأثرون بهم أكثر".