عٌقدت في منتجع دافوس بسويسرا اجتماعات الدورة التاسعة والأربعين، للمنتدى الاقتصادي العالمي، والمعروف بمنتدى دافوس،خلال الفترة 22-25 يناير/كانون ثاني 2019،تحت شعار"العولمة في عصر الثورة الصناعية الرابعة:رسم ملامح البنية العالمية في عصر الثورة الصناعية الرابعة»،وسط حضور رئاسي أقل من المتوقع،ونظرة تشأومية حول المستقبل الاقتصادي في عام2019،لاسيما مع غياب رؤساء كبار الدول،مثل الولايات المتحدة الأمريكية،وفرنسا،وبريطانيا،والصين.

غير أن منتدى دافوس لهذا العام رفع من اهتمامه بطرح مسألة الذكاء الاصطناعي(Artificial Intelligence) والذي يشار إليه بحرفي ((AI وهي مسألة تكتسب أهمية كبيرة في جميع أنحاء العالم،خصوصا تلك التي حققت قفزات نوعية عالية الجودة فيها منذ سنوات.فالعالم يتجه إلى تكريس هذا الذكاء الاصطناعي بصورة قوية؛لأنه بات السمة الأهم لاقتصاد المستقبل،كما أنه يرتبط بصورة قوية جدا بالتنمية.كما أن مؤسس المنتدى ورئيسه التنفيذي الألماني «كلاوس شواب» كان دائماً كثير الاهتمام بالطفرات في مجال البحث العلمي وأنشطة التطوير التكنولوجي، على الصعيد العالمي بمراحلها المختلفة والمتتالية.وهو الأمر الذي بدا واضحاً من الكتاب الذي ألفه ونشره في الفترة الماضية بعنوان"الثورة الصناعية الرابعة».

ويمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه أحد أفرع علوم الكمبيوتر المعنية بكيفية محاكاة الآلات لسلوك البشر. فهو علم إنشاء أجهزة وبرامج كمبيوتر،قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التي يعمل بها الدماغ البشري.تتعلم مثلما نتعلم،وتقرر كما نقرر،وتتصرف كما نتصرف.

وهناك الكثير من الأسئلة، ليس فقط فيما يتعلق بحتمية سيطرة الذكاء الاصطناعي على الساحة في المستقبل، بل بالآثار السلبية التي يتركها في قطاع التوظيف.

وهذه النقطة هي الأهم بالنسبة إلى جميع الدول المشاركة هذا العام في المنتدى والتي تعمل بكل إمكاناتها عادة على خفض البطالة،وإيجاد فرص العمل اللازمة،وتوافق مخرجات التأهيل والتعليم مع متطلبات السوق الحقيقية.

فمن ضمن الأدبيات العالمية ذات الطابع العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي نجد أن هناك حالة اتفاق على أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتوقع تضاعفها في السنوات والعقود القادمة سوف تؤدي في غضون العقود القادمة إلى اختفاء الكثير من الوظائف الموجودة في أسواق العمل العالمية حالياً،ويصل البعض في توقعاته في هذا المقام،المرتكزة عل أسس دراسات وبحوث ذات منهجية علمية وموضوعية،إلى حد افتراض أن أكثر من 65% من الوظائف الموجودة الآن سوف تختفي من الوجود خلال ثلاثة عقود على الأكثر،أي بحلول عام 2050،بسبب انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي واختراقها مجالات جديدة ومتزايدة من أوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ومن المجالات التي حقق فيها الذكاء الاصطناعي تقدماً كبيراً وبشكل متسارع على مدار السنوات الماضية،هو مجال التعليم والتدريب وإعادة التأهيل،حيث اختفى العامل البشري تقريبياً بشكل شبه كامل في العديد من مجالات التعليم المدرسي والجامعي،الأمر الذي بات يمثل هاجساً لدى المشتغلين بالوظائف المتعلقة بالقطاعات التعليمية في العديد من دول العالم.كما امتد الأمر بحيث صار يشمل العديد من أنواع الوظائف التي تتعلق بالعمل الإداري أو القطاعات المساعدة، والتي أوجدت لكثير منها تطبيقات الذكاء الاصطناعي البديل الإلكتروني بصورة متسارعة.

إلا أن هناك وجهة نظر ثانية تقول إن الذكاء الاصطناعي قد يخلق وظائف أكثر من خلال تقديم أدوات جديدة لأصحاب المشاريع،وقد يؤدي ذلك أيضاً إلى إنشاء خطوط أعمال جديدة لا يمكننا تصورها الآن.فحسب وجهة النظر هذه فإن المسألة ليست نشر البطالة أو زيادة معدلاتها بل هو إعادة توزيع وإعادة تخصيص للوظائف في ظل تقدم تكنولوجي أيضاً يشمل منظومة عريضة من القطاعات وليست مقصورة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها على سوق العمل وحدها دون غيرها.وترتكز وجهة النظر هذه على استحضار التجربة التاريخية الخاصة بالثورات الصناعية السابقة،بخاصة الثورة الصناعية الأولى،وما أدت إليه من إعادة رسم خارطة سوق العمل على صعيد العالم،وليس فقط البلدان الصناعية،في ذلك الوقت،ولم تؤد إلى انتشار واسع للبطالة كما كان متوقعاً أيضاً من جانب بعض المفكرين في ذلك الزمن.من ثم يراهن أصحاب هذا الموقف على التشابه التاريخي بين الظرف الراهن وما سبقه من ظروف مماثلة أو متقاربة.

ومن هنا فقد بدأت بالفعل حلقات البحث والمناقشات حول الذكاء الاصطناعي وآثاره الإيجابية في الاقتصاد العالمي في منتدى دافوس بمشاركة عشرات المختصين والمسئولين الحكوميين من كل بلدان العالم تقريباً.والأوراق التي نوقشت وستناقش ما بعد انتهاء دافوس،توفر معطيات عالية الجودة،وفي الوقت نفسه تطرح الآثار السلبية لهذا التحول في سوق العمالة. المهم في هذه الأطروحات إبقاء الوظائف بعيداً عن الأضرار المشار إليها؛لأن الاقتصاد العالمي لا يتحمل بالفعل مزيداً من أعداد العاطلين عن العمل،بمن فيهم أولئك الذين ينتمون إلى الدول الصناعية الكبرى.

aref_murshed@yahoo.com