أبواب - زياد عساف

» أمينة شخلع.. أسماء الكمسارية.. عزيزة البيضة»، عينة من أسماء و ألقاب لمطربات اشتهرن مع بدايات القرن العشرين، تعكس بطبيعتها البيئة البسيطة التي إنطلقن منها، و افتقادهن للحد الأدنى من الثقافة و التعليم، وهذه واحدة من الأسباب التي أوجدت وقتها نوعية من الأغاني الهابطة و الخارجة عن حدود الذوق العام، نعيمة المصرية مطربة صاحبة صوت قوي نالت حظها من الشهرة تلك الفترة، قدمت مجموعة من الأغنيات العاطفية و الوطنية الجميلة، وفي المقابل يحتوي أرشيفها على أغان لا تتوافق مع منظومة القيم الشرقيةالسائدة.

تقييم تجربة نعيمة، ولماذا حدث هذا الإنحراف في مسيرتها الفنية، هذا ما يجيب عليه مسار البحث في مشوارها الفني الثري رغم قصره لاعتزالها و غيابها عن مسرح الغناء، مع إنها بقيت على مسرح الحياة لأكثر من أربعة عقود بعد ذلك، ولا يعرف عنها شيئاً، وهي التي اقتحمت معترك الفن و الغناء قبل الكثير من المطربات اللاتي اشتهرن بعدها، ومنهن أم كلثوم على سبيل المثال.

مين زيي..

إحساس جميل ينتاب عشاق الأصالة والفنون وهم يتجولون في القاهرة القديمة، وقمة هذا التجلي لحظة الدخول من بوابة المتولي باتجاه حي المغربلين الذي يعيد للذاكرة سيرة كبار الفنانين ممن أنجبهم هذا الحي، زينب محمد إدريس والتي أصبحت المطربة نعيمة المصرية فيما بعد، هي واحدة من مواليد المغربلين عام 1894، الشهرة التي وصلت إليها سبقها معاناة عاشتها بسبب الأهل حين قرروا تزويجها وهي في سن صغيرة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ أن زوجها عاش معها في بيت الأسرة، وهذا الجو المزعج و المكتظ بطبيعته لايتناسب مع فتاة حالمة، جميلة الصوت كان هاجسها أن تصبح مغنية مشهورة، بداية التحرر من هذه القيود جاء على يد جارتها السورية عزيزة المظلوم التي مهدت لها الغناء في الأفراح و الصالات، لتضع خطوتها الأولى في عالم الموسيقى و الطرب، ما أدى لتشكيل جبهة الرفض من الزوج و الأهل لمنعها من السير بهذا الطريق، الهروب كان الخيار الوحيد المتاح أمامها، وكانت وجهتها لمدينة حلب عام 1911 وبالتنسيق مع جارتها عزيزة، هناك التقت بالمغنية رحلو جرادة و قدمت لها الأخيرة كل سبل المساعدة، وعرفتها على كبار الملحنين الحلبيين الذين أشرفوا على تعليمها و صقل صوتها ومنحوها مجموعة من ألحانهم، مكثت في حلب ثلاث سنوات و عادت للقاهرة عام 1914، لحظة أن حطت رحالها في القاهرة تبناها الموسيقار سيد درويش، و منه نهلت فن الموال و القصائد الغنائية، وتم تتويج هذا التعاون بأن لحن لها وشاركها بالغناء في دويتو » مين زيي» وصدرت في أول اسطوانة لها.

تضحية..

تراكم هذه التجارب و الخبرة التي حظيت بها جعلها تنطلق كالصاروخ، حتى غدت من الأسماء الشهيرة على مسارح عماد الدين و روض الفرج و اسكندرية و المنصورة، كان قرارها الرئيسي بعد ذلك بافتتاح مسرح خاص بها عام 1922 أطلقت عليه (مسرح الهامبرا)، و بدأت تغني من ألحان محمد القصبجي و داود حسني و زكريا أحمد و زكي مراد و غيرهم.

بعد مضي أكثر من عشر سنوات بدأ يتراجع هذا النجاح بسبب ظهور الراديو مع تأسيس محطة الإذاعة الرئيسية، من هنا تراجع الإقبال على الصالات و الأندية الليلية، و قل شراء الإسطونات، ما اضطرها لإغلاق مسرح الهامبرا، وعادت من حيث بدأت بالغناء في الملاهي التي تراجع جمهورها بطبيعة الحال، مع محاولتها تعويض هذه الخسارة بالغناء في القصور و العوامات.

في الحديث عن مسيرتها الفنية و الإجتماعية لا بد من تقدير موقف اتخذته يعتبر قمة التضحية بالنسبة لفنانة مشهورة، وهو اعتزالها الغناء ليس بسبب تراجع صوتها كحال الأغلبية، و إنما لزواج إبنتها من شاب ينتسب لإحدى العائلات الأرستقراطية، اشترط عليها بدوره اعتزال الغناء مقابل الإرتباط بابنتها تماشياً مع تقاليد العائلات المحافظة، لم تقف حائلاً أمام سعادة ابنتها، لتحقيق ذلك وبعد كل هذا النجاح و الشهرة ودعت الغناء و مسارحه للأبد بالإعتزال نهائياً عام 1937 وفي عمر 43 سنة، ورغم أن المدة التي أمضتها في هذا المجال ستة و عشرين عاماً وتعتبر قصيرة نسبياً مقارنةً بغيرها، وبقيت بعدها في الظل لمدة أربعين عاماً لايسمع بها أو عنها أحد وحتى وفاتها عام 1976.

خد البِّزة و اسكت..

”خد البِّزة و اسكت.. خد البِّزة ونام»، مقطع من أغنية قديمة إعتاد أن يرددها جمهور مشجعي كرة القدم في بلاد عربية عدة بدافع التهكم و الإستهزاء من فريق الخصم، وكل الظن أنها من الأغاني الساخرة، ولا يعلم الأغلبية أنها واحدة من الأغاني الوطنية الجميلة لنعيمة المصرية، نظمها بديع خيري و لحنها سيد درويش في عز مجده، وهي تحكي قصة أم تهدهد لطفلها وتدعوه فيها لحماية بلده والدفاع عن إستقلالها، وجاءت هذه الأغنية تعبيراً عن أحلام المصريين بفترة الإحتلال البريطاني.

قدمت العديد من الأغاني الوطنية أيضاً، و رددها الناس معها في السنوات الأولى من القرن العشرين، وبفترة الأحداث السياسية الساخنة التي كانت تعصف بأرض الكنانة، وكانت أبرزها من تلحين أستاذها سيد درويش، وهي أول من غنى لحنه الشهير: يا بلح زغلول، والمقصود هنا الزعيم سعد زغلول بعد أن منعت السلطات البريطانية من تداول إسمه على ألسنة الناس، فكان اللجوء بالتغني للبلح الزغلول كناية عن سعد وبصورة غير مباشرة، و حققت الأغنية مرادها بوصول الهدف المنشود في الشارع المصري، وغنت من ألحانه الوطنية و الحماسية أيضاً: يا عزيز عيني، يا ولد عمي يابوي، و من ألوان الغناء الأخرى لحن لها: إن كنت شاريني، معلوم يا هانم، كيكي كيكو، يقطع فلان، و يابو الشريط الاحمر.. ياللي أسرتني إرحم ذلي.. البنطلون أسود كحلي.. وكحل عينك من كحلي.

أكلمك بصراحة..

» ملكة الأسطوانات»، لقب ظفرت به نعيمة استحقته بعد أن سجلت بصوتها ما يقارب 150 أسطوانة، وتنوعت أعمالها مابين الأغنية الخفيفة و القصيدة و الموال ومنها: قوم يا حبيبي بقينا الصبح والنبي لاّيس وياك يا غزال، إن كنت شاريني، يا قلبي تستاهل، حكواتي و مغنواتي، اّسيت كتير في حبك، تاهت عيوني و فكري تاه، معلوم يا هانم، غالي و الطلب رخيص، كل ما اقول أحرم، سيد الغزلان، ما خدش غير اللي بحبه، كله الا كده، يا مية مسا ع العيون الكويسة، يا حلو ياللي تحب الرقص، الحب ما كان على بالي، كان إيه جرالي، فضك.. فضك اّه من حبك، ياللي تلومني عقبالك، لا يعاتبني ولا اعاتبه، تعال يا حبيبي يكفي ملام، مهما تقول ولا تعيد، مين يصدق، بتتقل يا واد انت، بعدك طال، خليك رؤوف، يا مدموزيل رقي شوية، قاسيت كتير في حبه، يا كوكب الفجر من أذنك تليح بدري، وانا نايمة، قوم هاتلي بدلة وتتغنى بها بتوت عنخ اّمون كرمز للحضارة المصرية، فرغ الهزار، أصالحه يمدح و يحسن، لو كان عزولي يحس، إسحب كلمتك أوام بسرعة، بردون يا فندي، أنا عندي أمل ننسى اللي حصل، أكلمك بصراحة و أعادتها أم كلثوم فيما بعد، دويتو البوسطجي بمشاركة ملحنها زكريا أحمد بالغناء، موال ياللي القمر طلعتك، ولها من القصائد الغنائية: جن الظلام، أشكو إلى الله من نارين، جاءت على مهجتي، الشوق حرك ما بي، واغاني الأعراس: عروستنا يالله نحييها.

تعال يا شاطر..

لم تسلم نعيمة المصرية من الوقوع في شرك الأغاني الهابطة، وقدمت مجموعة أغنيات لا تتناسب مع القيم الإجتماعية و الدينية السائدة في المجتمع العربي والشرقي، و أول ما يذكر لها من هذه الأعمال: تعال يا شاطر نروح القناطر، ومن كلماتها :هات الإزازة واقعد لاعبني.. و المازة طازة و الحال عاجبني، ومن هذه العينة قدمت أيضاً: ما تخافش عليا.. أنا واحدة سيجوريا.. في العشق واخدة البكالوريا، ولك علي لما تجيني تبقى ليلة أبهة.

لم تكن الوحيدة التي قدمت هذه النوعية، وسار على هذا النهج مجموعة مطربات كان لهن أعمال متميزة و راقية، وعلى الجانب الاّخر كانت لهن سقطات غنائية تخاطب الغرائز، ومنهن منيرة المهدية ولها مجموعة أغنيات من هذا القبيل ومنها: إرخي الستارة اللي في ريحنا، و اشمعنى يا نخ الكوكايين كخ و بعد العشا يحلى الهزار و الفرفشة، وهذا ما ينطبق على أخريات أمثال: رتيبة أحمد، حياة صبري، بهية المحلاوية، اّسيا ندى، بالإضافة لمغنيات من جنسيات أخرى أقمن في مصر.

وللإنصاف لم يقتصر الفساد بالغناء على النساء، وقدم العديد من المطربين الرجال أغان من هذا النوع مثل: سيد درويش و عبد اللطيف البنا و صالح عبد الحي، و ساهم في هذا الهبوط ملحنون كبار أمثال زكريا أحمد و محمد القصبجي وداود حسني و زكي مراد وغيرهم، ومن مؤلفي هذه الأعمال: بديع خيري و محمد أنور ومحمد علي لعبة، ويبقى الأغرب أن يونس القاضي الذي كتب النشيد الوطني المصري: بلادي بلادي، إنجرف مع هذا التيار لفترة من الوقت، فهو مؤلف: تعال يا شاطر لنعيمة المصرية، و كتب لغيرها أيضا، وتورطت معه أم كلثوم بأن غنت في بداياتها ومن كلماته أغنية: الخلاعة و الدلاعة مذهبي، إلا أنها إستدركت هذه الغلطة بأن عدلت في كلمات الأغنية بعد ذلك لتصبح: اللطافة و الخفافة مذهبي.

إنحسار..

هذا الإنحدار في الغناء له أسبابه يؤكدها باحثون كثر في هذا المجال و أهمها :إخفاق الثورات بتحقيق أحلام الناس، وهزائم الحروب و الإحتلال البريطاني لمصر،و تداعيات الحرب العالمية الأولى وقتها، وما تبعها من أزمات إقتصادية و تدني المستوى الثقافي لفئة من المطربين، هذا النوع من الأحداث يولد لدى البعض حالة من تخلخل القيم و الإحباط ما يدفع لهذا النوع من السلوك، وهذه الأجواء انعكست بطبيعة الحال على نعيمة المصرية و غيرها من الفنانين والشعراء ممن سبق ذكرهم. نوعية هذه الأغاني بدأت في الإنحسار تدريجياً بدءاً من عام 1934 الذي شهد تأسيس الإذاعة المصرية، ووجود لجنة رقابية في الإذاعة تقيِّم الأعمال وترفض كل ما هو إباحي و يخالف الأخلاق و الذوق العام، أما السبب الثاني في إعادة الإعتبار للأغنية المصرية تمثَّل بتأسيس دائرة الرقابة على المصنفات الفنية، و أوكلت رئاستها للشاعر الغنائي يونس القاضي، و أول خطوة قام بها القاضي بحذف أغانيه التي تتنافى مع القيم، وكان حازماً مع الجميع في المهمة التي أوكلت إليه.

عودة الروح..

لم تحظ نعيمة بهذه النقلة النوعية التي أعادت الروح للأغنية العربية بسبب اعتزالها مبكراً كما ذُكِرْ، ما كان سيساهم بتطورها في الغناء بمواكبتها لهذه المستجدات وتقديم أعمال أفضل خاصة أنها تمتاز بصوت له مواصفات يحسدنها عليها بنات جيلها اّنذاك، يبقى السبب الرئيسي لتجاوز الإسفاف بالغناء أن رواد الموسيقى و الطرب من مطربين وملحنين ممن برزوا أواسط الثلاثينات وما بعد، جاء أغلبهم من بيئة محافظة و أجواء ثقافية تحول دون الولوج في عالم الغناء السفلي، وهذا ما ينطبق على الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي تتلمذ منذ طفولته على يد أمير الشعراء أحمد شوقي، و أم كلثوم القادمة من بيئة متدينة بالإضافة لتعمقها في الموشحات والقصائد و تذوق الشعر، أما فريد الأطرش فهو يحمل لقب أمير قبل أن يصبح مطرباً وورث هذا اللقب عن أسلافه في جبل العرب، هذه الأجواء جعلت هؤلاء يشعرون بالمسؤولية تجاه الأجيال، و يقدرون جمال الكلمة و اللحن و الأداء، أما عبد الحليم حافظ فلقد ظهر على الساحة الغنائية أوائل الخمسينييات و ارتبط إسمه بالثورة، وهذا أحد الأسباب الذي جعله لاينحرف عن المسار الذي وقع به من سبقوه، وفي نفس السياق فإن المشروع القومي و ثقافة المقاومة التي أعقبت ثورة يوليو 1952،ولَّدَ نتائج إيجابية ملموسة على صعيد الأغنية العربية عموماً، بالتركيز وضمن خطط مدروسة على المواضيع التي تتعلق بالبعد الإنساني و الأخلاقي والتي إستطاعت قدر الإمكان الإرتقاء بذوق و حس المواطن العربي، سواء من خلال الأغاني العاطفية أو الوطنية.

مسافر للجهادية..

و أما الأغاني الإجتماعية و الإنسانية التي تحث على الترابط و التماسك الأسري بفترة الخمسينييات و الستينييات فالأمثلة كثيرة في هذا السياق، ففي هذه الفترة استمع الناس في الوطن العربي لأغاني تمجد قيمة الجيران و الأصدقاء و الأخت و الأخ و الأب، أما عن الأم وقيمة الأمومة يكفي التوقف أمام نماذج من أغاني تلك الفترة ومن بينها: ست الحبايب لفايزة أحمد و أحن قلب لنازك ومحمد فوزي و حبيبة أمها لصباح، مرةً أخرى و لإنصاف نعيمة المصرية، فبالإضافة لأغنية (الهدهدة) لحن سيد درويش، غنت من ألحانه وللأم أيضاً (مسافر للجهادية) في مسرحية الطاحونة الحمرا، وعلى لسان جندي لحظة وداع أمه الذي يستمد شجاعته منها وبهذه الكلمات :

» يا أمي ليه تبكي عليّا و انا مسافر للجهادية

ليه بس ح تطاوعي شفقتك و تبيعي صيغتك

إذا انتصرت تقيمي رايتك و تكوني أول وطنية».

يا انا يا امك..

تبقى الخسارة الأكبر أنه في زمن نعيمة المصرية جاءت واحدة من المغنيات وقدمت وصلة من (الردح) تحت مسمى أغنية وهي تسخر من الأم وعلى لسانها وهي تتوعد زوجها:

«يا أنا يا أمك قوللي إيه رأيك..

تختار مين تفضل في البيت

واحدة عجوزة و شابة صبية..

جاز وسبيرتو ما يتفقوش

وانت عارفني أنا عصبية..

لما اتخلّق حلَّق حوش

أبقى رزيلة وهي سئيلة..

واحدة ضروري هتبقى قتيلة

يا انا يا امك!».