ثمة سمة رئيسية طبعت كافة الانتفاضات الاحتجاجية التي اندلعت في العالم العربي منذ نهاية 2010، وطرائق التعامل معها دوليا وإقليميا على الصعيدين السياسي والإعلامي، ويبدو أن السمة المميزة للتعامل مع الانتفاضة السودانية هي الصمت والإهمال، رغم أن الحركة الاحتجاجية في السودان التي اندلعت في 19 ديسمبر 2018 وتزامنت مع حلول الذكرى الثامنة لانطلاق «الربيع العربي» أكثر وضوجا في أهدافها وأوسع انتشارا في مداها وأشد نضجا في مطالبها وأضخم تضحيات في كلفتها قياسا إلى تسلسل الأحداث الزمنية للاحتجاجات العربية السابقة.

«حرية سلام عدالة» تلك هي شعارات الحركة الاحتجاجية السودانية التي بدأت في العالم الواقعي بالتظاهر ضد ارتفاع سعر الخبز، و"السودان تنتفض» مثال لهاشتاغ في العالم الافتراضي دشن على مواقع االتواصل لاجتماعي، وسرعان ما تنامىت نطاقات الاحتجاجات والمظاهرات واتسعت مطالبها مع تصاعد إطارات القمع لتشمل مطلب إسقاط نظام عمر البشير الذي يحكم البلاد منذ عام 1989، إلّا أن ذلك قوبل دوليا وإقليما والإهمال والتجاهل رغم الأثمان الباهظة للتظاهر والاحتجاج، حيث ارتفع عدد القتلى منذ بدء الاحتجاجات حسب حصيلة رسمية إلى 29 قتيلاً سقطوا في هذه التظاهرات، بينما تشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن أكثر من 40 شخصاً، من بينهم عاملون في المجال الصحي، قُتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن.

بعيدا عن خطابات المؤامرة والمندسين كسمة بارزة للخطابات الرسمية التي اعتاد عليها المتلقي العربي في سائر االحراكات الاحتجاجية، يمكن بسهولة بالغة فهم أسباب الاحتجاجات التي اندلعت في السودان، بداية من 19 ديسمبرالماضي، في مدينة عطبرة شمال البلاد، بعد انعدام كامل لخبز الطعام، ثم تمددت تلك الاحتجاجات لتصل إلى عدد واسع من مدن السودان المختلفة حتى بلغت العاصمة الخرطوم، إذ يعاني السودان من أزمة اقتصادية منذ انفصال جنوب السودان في 2011، وذهاب ثلاثة أرباع مناطق إنتاج النفط مع الدولة الجديدة، وظلت تتطور الأزمة مع عجز الدولة عن زيادة الإنتاج لكسب النقد الأجنبي، ووصلت ذروتها بعجزها عن توفير الخبز والوقود والدواء، مع شح في السيولة النقدية منذ منتصف عام 2017، ما تسبب في خلق غضب واسع وسط المواطنين، ويشهد السودان صعوبات اقتصادية متزايدة مع بلوغ نسبة التضخم نحو 70% وتراجع سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار الأميركي وسائر العملات الأجنبية.

من الجدير بالذكر أن الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الكثير من الشعب السوداني حسب ماجد عاطف مثلت الدافع الرئيسي وراء تلك الاحتجاجات، إذ ألقى المحتجون اللوم على الإجراءات الحكومية التي تسببت في بروز العديد من المصاعب الاقتصادية بما في ذلك القرار الذي اتخذه الرئيس البشير في أكتوبر الماضي بتحرير سعر الصرف، بالتزامن مع حديثه عن رفع الدعم الحكومي للوقود، وما تلا ذلك من أزمة في البنزين والخبز، كل ذلك ساهم في خروج المحتجين إلى الشارع. فالشعب الذي يعيش 50% منه وفقا لتقديرات الأمم المتحدة تحت خطر الفقر، قد شارك سابقا في عدة تظاهرات متكررة احتجاجا على تلك الظروف الاقتصادية الصعبة، وكان أبرزها الاحتجاجات الكبرى التي اندلعت في عام 2013، لكن نظام البشير تعامل مع الاحتجاجات بالنهج المعتاد، قمع في الشوارع ومصادرة للصحف وحديث لا ينقطع من جانب إعلام الدولة عن المؤامرات الخارجية، وهو ما لم ينجم عنه سيطرة الحكومة على الوضع، بل على العكس تزداد الأمور تعقيدا يوما بعد يوم.

رغم حديث المؤامرات الخارجية الرسمي لم تجلب الحركة الاحتجاجية السودانية اهتمام العالمين العربي والغربي، ولم تعلن أيّ دولة لحدّ الآن دعمها للمتظاهرين، فيما كان «القلق» الدولي محتشماً ولم يتجاوز حدّ الدعوة إلى إجراء تحقيق في أعمال العنف،ولم تتجاوز ردود الفعل الدولية على حملة السلطات الأمنية خلال احتجاجات السودان حدود الانتقادات الخجولة والمنمقة،فبريطانيا وكندا والنرويج والولايات المتحدة، اكتفت بتحذير الخرطوم من «تداعيات» ما تقوم به على العلاقات مع حكوماتها، الأمر الذي يطرح الكثير من الأسئلة حول كلّ هذا الإهمال والحذر العربي والغربي من التجاوب مع ما يجري في السودان، لكنه يؤكد على بروز حالة من الخوف من اندلاع موجة جديدة من الحراكات الاحتجاجية في العالم العربي، وظهور مقاربة تفضل يقاء دولة الاستبداد مع استقرار هش على حدوث ثورة قد تعصف بالدولة ذاتها وتأتي بالفوضى.

تنتمي الحركة الاحتجاجية السودانية إلى نمط الحركات الاجتماعية الجديدة اللامؤسسية، وهي نتيجة منطقية نظرا لتركيبة المعارضة المنقسمة والمفتتة والمتضاربة، ومع ذلك ساهمت الحركة الاحتجاجية بتوحيد ظاهري للمعارضة بالمطالبة بتنحي البشير لكنها ساهمت في نفس الوقت بتوحيد صفوف مؤيدي البشير،فالعلاقة بين التحالفين المعارضين الأكبر في البلاد «تحالف نداء السودان» و"تحالف قوى الإجماع الوطني» ليست على مايرام والاختلافات كبيرة حول التعامل مع السلطة والقضايا الأخرى كمسألة جنوب السودان وغيرها، بينما جماعة الإخوان المسلمين التي ساندت عمر البشير خلال انقلاب عام 1989، تقف في منطقة رمادية بين النظام والمعارضة، فضلا عن كونها منقسمة على نفسها ومشرذمة.

رغم انقسام المعارضة السودانية وتشرذمها، إلا أنها توحدت بالمطالبة بتنحي البشير، فمع بروز حركة احتجاجية شعبية لا مؤسسية دون قيادة وهيكلية واضحة تنامى دور مكونات جديدة في مقدمتها اتحاد المهنيين السودانيين، الذي يضم عدداً من النقابات التي تمثل أطباء ومعلمين ومهندسين، حيث بدت تنظيمات المعارضة، حتى النقابية منها، موّحدة في مطلب رحيل البشير، ومنها قوى الإجماع الوطني وقوى نداء السودان والتجمع الاتحادي المعارض وتجمع المهنيين السودانيين. وممّا زاد من الضغط على نظام البشير، تكتل يضم 22 حزباً، منها أحزاب متحالفة مع الحكومة، وأخرى لم يُعرف لها تاريخ كبير في المعارضة، في إطار مبادرة «الجبهة الوطنية للتغيير»، مطالبة بتشكيل مجلس انتقالي يتوّلى شؤون تسيير البلاد وحلّ البرلمان بغرفتيه.

في هذا السياق اعترفت الخرطوم بوقوف قوى عربية إلى جانبها في هذه الأزمة، إذ صرّح مصدر حكومي لصحيفة «السوداني» أن بلاده تلقت دعماً عبارةَ عن وقود وقمح يكفي البلاد لعدة أشهر، لكن الأهم أن الحركة الاحتجاجية في السودان لم تتمتع بالدعم الذي تلقته الحركات الاحتجاجية في بعض الدول العربية إبان «الربيع العربي»، فالإهمال والصمت هما السمة البارزة على الصعيد العربي، ولا تتمتع الاحتجاجات بالحد الأدنى من التغطية الإعلامية من كبريات القنوات العربية كما حدث سابقا،وقد أعلنت أربع دول عربية دعمها الصريح للحكومة السودانية في هذه الظروف، وهي قطر ومصر والكويت والبحرين، بينما لم يصدر بعد أيّ موقف عن السعودية وحليفتها الإمارات، رغم تفضيل الجميع يقاء نظام البشير.

على الصعيد الدولي تحرص الدول الغربية على مسألة الاستقرار في السودان وتغض الطرف عن مسألة حقوق الإنسان وقضية الديمقراطية، إذ تؤكد أنيت فيبر على ذلك في مقال على موقع مؤسسة العلوم والسياسة في برلين، فحسب أنيت فإن الدول الغربية باتت ترى في السودان شريكاً استراتيجياً في منطقة كثيرة النزاعات، بل يبقى من المتوقع أن يحصل السودان على دعم مالي من الاتحاد الأوروبي نتيجة تعاونه في مجال الهجرة، كما أن الغرب يرى في السودان وسيطاً لحلّ أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا، وكذلك الوسيط الوحيد بين هذه الأخيرة وعدوتها إثيوبيا، خاصة جهوده لمنع اندلاع حرب بينهما وما ستؤدي إليه من زيادة موجات اللاجئين، فضلاً عن تأثيره على الصراع الداخلي في دولة جنوب السودان.

خلاصة القول أن الحركة الاحتجاجية في السودان ستبقى مهملة ودون دعم أو تغطية، إلا إذا حدثت تحولات دراماتيكية، فقد بات راسخا عقب ثورات الربيع العربي أن الاستقرار مع الاستبداد مقدم على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد أصبح مصطلح الحرية في المنطقة يكافئ مفهوم الفوضى، كما أن جغرافيا السودان ساهمت بحفظ نظام البشير وديمومته، فالقوى الإقليمية والدولية تسعى لإيجاد موطئ قدم لها في منطقة البحر الأحمر، ولن يمرّ ذلك إلّا عبر خلق علاقة ملؤها المصالح مع نظام البشير في السودان الذي يعتبر إحدى أكثر دول المنطقة استقرارا، فقد استفاد نظام البشير من منطق الجغرافيا لضمان استمراره، حسب محمد حسن عربي حيث اضطلع البشير بدور حارس الحدود الذي يساهم في منع الهجرة غير الشرعية من دول العمق الإفريقي، وبتوفيره معلومات استخباراتية مهمة للغرب في إطار الحرب على الإرهاب، وبهدف إن الغرب عموماً يغض الطرف عن القمع الداخلي وسوء الحكم.

hasanabuhanya@hotmail.com