تبدوا المناخات الفرنسية السياسية وكأنها تهيئ الاجواء لحرب اهلية، فالسُتر الصفراء تثور دفاعاً عن حقوق العمال والفئات المتدنية الدخل وذلك منذ 11 اسبوعاً ورغم ذلك فإن ما حصلت عليه هو أدنى بكثير من المطالب التي تصاعدت حتى المطالبة بإستقالة الرئيس ولما لم تصل الستر إلى المطالب تقوم الحكومة بتجييش ما يسمى بالاوشحة الحمراء كرد سلبي للستر الصفراء إعتقاداً من الحكومة والشعب ان الصراع هو صراع كراسي وليس صراع حقوق. فمطالب الشعب تتصورها الحكومة انها خطيره على الوضع الفرنسي في الاتحاد الاوروبي وهو يهدد فرنسا واوروبا بإعتبار أن انسحاب فرنسا من الاتحاد هو تدمير للاتحاد لأن فرنسا محور أساس في هذا الاتحاد أما التجييش الحكومي فينصرف إلى أن السُتر الصفراء تأتمر بأوامر ماري لوبان اليمينة المتطرفة التي تصارع للوصول إلى الرئاسة عن طريق إنتخابات جديدة. هذا الصراع بين الحكومة والشعب قد يثمر عن حل الجمعية الفرنسية (البرلمان) وإجراء انتخابات جديدة قد تعطي الفرصة إلى لوبان للوصول إلى هدفها. والصراع الفرنسي الداخلي قد أدى للآن إلى خسائر مادية جسيمة.

وتشير كثير من الصحف الفرنسية إلى أن كل من لوبان والرئيس مدعومان من الخارج. اما الموقف الاوروبي مما يجري في الشارع الفرنسي يتمظهر بالخوف من الانتقال إلى الدول الاوروبية خاصة المجاورة مثل بلجيكا وهولندا وايطاليا والمانيا والنمسا في حين ان الدول العربية تقف على مرئة في الجانب الغربي للبحر المتوسط فتشاهد هذا الصراع وهو لا يعنيها رغم ان التدخل الفرنسي في سوريا كان واضحاً بالعملية وسواء توقف هذا الصراع او زاد حدة فإن صورة فرنسا اهتزت.

الغريب أن الولايات المتحدة تقف متفرجة دون تدخل وكأن الذي يجري مرغوب ومنشود ونود ان نشير الى ان موقف السُتر الصفراء من النظام الفرنسي ليس بريئاً وايضاً موقف الحكومة مما يجري ليس بريئاً فكلاهما متهم بإيذاء الآخر فاستقالة الرئيس الفرنسي تبدو صعبة استجابة لمطالب الشعب الفرنسي لاعتقاد الرئيس أن أصحاب السُتر الصفراء مدفوعون ومدعومون من بعض الدول. الحكومة الفرنسية ورئيسها اذ يتصدون للمطالب متسلحون بقوة الحق في الدفاع عن النظام أو الدولة، والشعب يستند إلى ان الشرعية أصبحت على المحك لأنها لا تستند إلى رأي الشعب وهنا تبدو مسألة الديمقراطية الفرنسية على المحك وتبدو في حالة عدم توازن، لأن كافة المتصارعين يستندون إلى الديمقراطية. فهل الديمقراطية في ميزان العدالة التي يمثلها الشعب او العدالة التي تفضي بحق الحكومة في الدفاع عن نفسها وعن الجمهورية؟ هذه هي إحدى تناقضات الديمقراطية وعيوبها.