صراع سياسي يجري حاليا في فنزويلا بين رئيسين الأول شرعي مدعوم من الجيش ومن موسكو، والآخرمدعوم من واشنطن،لكن الواقع المؤلم للدولةجعل المؤيدين للثورة البوليفاريةعلى مفترق طرق، بين التنديد بالمؤامرة وبين الإقرار بتراجع النموذج.

في فنزويلا أزمة سياسية ساخنة وضعت البلاد في ليلة وضحاها بين المواقف الدولية، فما بين مدافع عن زعيم المعارضة الذي نصب نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد، ومعارض للإنقلاب على الرئيس الحاالي نيكولاس مادورو، يقف البلد النفطي إزاء منعطف خطير في بلد وصل فيه التضخم حد الذهول.

تبلغ مساحة فنزويلا حوالي تسعمائة ألف كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها ثلاثين مليون نسمة، ومنذ استقلالها بقيت حديقة خلفية لأميركا... عام 1992 تعرضت لأزمة اقتصادية ضخمة نتيجة سياسات اميركية، نتج عنها مجاعة كبيرة جدا أصابت البلاد...منذ ذلك الحين استغل هوجو تشافيز الفرصة وكان ضابطا في الجيش ونفذ انقلاب عسكري، سيطر على معظم البلاد لكنه لم يتمكن من السيطرة على العاصمة كراكاس، مما اضطر إلى تسليم نفسه للسلطة، ودخل السجن لمدة عامين.

عام 1994 جرى انتخاب رئيس جديد لفنزويلا، وقرر إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ومن بينهم تشافيز، الذي قام بتأسيس حزبين الأول علني واسمه الحركة الثورية البوليفارية نسبة إلى سيمون بوليفار وهو عسكري وسياسي فنزويلي ومؤسس ورئيس كولومبيا، والثاني حزب سري مسلح مكون من عناصر من الجيش ومجموعات شعبية.

عام 1998 شهدت فنزويلا أزمة اقتصادية ثانية، وجرت انتخابات رئاسية، فاز بها تشافيز... عام 2002 تم الإطاحة به عبر انقلاب خططت له المخابرات الأميركية، واعتقل ونفي إلى إحدى الجزر، لكن المجوعات الشعبية المسلحة وعناصر من الجيش خرجت إلى الشوارع وتمكنوا من إعادته إلى السلطة.

استمر هوجو تشافيز في السلطة إلى أن أصيب بمرض السرطان وفارق الحياة عام 2013، لكن قبل وفاته أوصى الشعب الفنزويلي بانتخاب نيكولاس مادورو رئيسا للبلاد، واستمرت حالة التوترفي العلاقات بين واشنطن وكاراكاس، إلى أن جرى انتخاب مادورو للمرة الثانية عام 2018، فقررت واشنطن أن تمنعه من استكمال ولايته، وإسقاطه مستخدمة سلاح البترول، ومن المعلوم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي للبترول على مستوى العالم، إذ يشكل النفط تسعين بالمئة من صادرات فنزويلا... استخدمت واشنطن نفوذها للتأثير على سعر النفط حيث انخفض السعر بنسبة ستين بالمئة، فخسرت فنزويلا أكثر من نصف صادراتها، ناهيك عن امتناع اميركا بعدم صرف ثمن النفط الذي تستورده من فنزويلا.

نتج عن ذلك أن وصل التضخم إلى مستوى خيالي، وتضاعفت الأسعار عشرة آلاف مرة، وإفلاس المتاجر، ومغادرة مليوني فنزويلي للبلاد، وأدى هذا إلى نجاح المعارضة الفنزويلية في الإنتخابات البرلمانية، وكان من بين الفائزين خوان غوايدو الذي انتخب رئيسا للبرلمان، فأصبح هناك برلمان يميني موالٍ لواشنطن، ورئيس وحكومة يسارية في البلاد.

نشطت الحركات الإحتجاجية في الميادين والساحات، فبادر رئيس البرلمان بالإعلان عن نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد، وألقى القسم في الشارع ثم اختفى، واعترفت الولايات المتحدة وكندا والعديد من دول أميركا اللاتينية بهذا الرئيس.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو المدان حاليا بالعجز عن تعويض غياب الرئيس السابق تشافيز، هل يتحمل وحده عبءالمشاكل التي أفقرت وهجرت ملايين السكان؟ بدأ مادورو عهده في أوج تراجع أسعار النفط، حيث كانت النتائج جسيمة على بلد يعتمد بنسبة ستة وتسعين بالمئة على عائدات النفط.

السيناريو المتوقع للأزمة الراهنة هو قيام حرب أهلية، لا تتمناها حتى دول الجوار الداعمة للمعارضة، أما الولايات المتحدة فإنها تعمل على تمكين رئيس جديد يخلصها من زعيم اشتراكي آخر في حديقتها الخلفية.

فماهو شكل الحل الذي سيطوي أزمة بدأت داخلية،لكنها اتسعت وتمددت وغادرت رقعتها الجغرافية.