يمر الشرق الأوسط اليوم بأحلك أيامه منذ تشكيله في بدايات القرن الماضي بل ويمر بتحديات عصيبة منها المطالبة بالتغيير، والتمثيل الديمقراطي، والنزاهة السياسية، والمعارضة التي تتخذ نوعاً من الرأسمالية النيوليبرالية في ظل وعي جمعي لتشكيل أطياف سياسية في المنطقة.

في بعض الدول، تحدت الحركة المجتمعية الهيكلية القائمة للسلطة إلا أن الاحتجاجات في الشارع العربي قلبت النظام الإقليمي بأكمله بشكل ملحوظ، دون وضع بديل مستدام، على الأقل ليحل مكانه. الفراغ الناشئ عن رحيل بعض الأنظمة القديمة التي يندم بعض الشعوب العربية على غيابها عن الساحة اليوم، لم تملأه الديمقراطية، كما كان يأمل الكثيرون نظراً لعدد كبير من القوى السياسية المتنافسة، والصراعات الطائفية، وفي بعض الحالات، تصاعد في حدة الحرب الأهلية. اليوم، باتت تواجه المنطقة عملية حاسمة لإعادة تعريف الحدود ودور عناصرها الداخلية مصحوباً بإعادة تقويم مجال تأثير الجهات الفاعلة الخارجية.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تم ترتيب النظام السياسي الدولي وبناؤه حول مفهوم المساواة في السيادة بين الدول، والحفاظ على الحدود القائمة، ومع ذلك تم انتهاك هذه الحدود بشكل متكرر ما تسبب بحروب عديدة. لذلك ما يعرف بنموذج الدولة ذات السيادة قد رسَخ نفسه باعتباره حجر الزاوية في النظام الدولي. وقد اعتبرت العلاقة بين الأرض والسيادة تحدياً ليس فقط للدولة نفسها، ولكن أيضا للأمن الإقليمي والعالمي. لذا، فإن المبدأ القانوني للسلامة الإقليمية له أهمية أساسية عند النظر إلى سياق «الحرب على الإرهاب».

فمنذ احداث 9/11 والحرب على الإرهاب بتنا نسمع كثيراً عمَا يسمى بالدولة «الضعيفة» ما دعا إلى الدعوة إلى تدخل المجتمع الدولي وصياغة التحديات التي تواجه الحدود الإقليمية. فأصبحت السيادة بمثابة قاعدة أساسية للتعايش ضمن نظام الدولة الحديثة. وفي نظريات علم السياسية والجيوبوليتيك فإن هناك أربعة تصنيفات للسيادة: السيادة المتبادلة، السيادة الداخلية، وسيادة الفاتليا (ويستفيليا)، والسيادة القانونية الدولية. إن أبرز تلك التصنيفات هي سيادة (ويستفليان- فاتليان) التي ترتكز على مقومات هي: التسامح الديني وحقوق الأقليات حقوق الإنسان والاستقرار الدولي.

فالمعايير الأربعة كانت بارزة في الماضي. ولو نظرنا إلى العامل الأول: التسامح الديني، فقد كان هذا المُقوم هو مسألة مركزية في القرنين السابع عشر والثامن عشر.أما العامل الثاني: حقوق الأقليات، فقد كان قضية مركزية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. والعامل الثالث: حقوق الإنسان، فقد كان قضية محورية في النصف الأخير من القرن العشرين وفي القرن الحالي. أما العامل الرابع: الاستقرار الدولي فهو ميزة حديثة.

فإذا نظرنا إلى التحالف المُقدس بعد الحروب النابليونية، فإن القوى الأوروبية المحافظة الكبرى ادعت الحق في التدخل ضد الحكومات الجمهورية على أساس أنها تهدد الاستقرار الدولي. وإذا نظرنا إلى التطورات في الدول التي اعقبت الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، من اليونان عام 1832 إلى ألبانيا في عام 1913، سنجد أن الدول الأوروبية ما كانت لتعترف بتلك الدول لولا الحصول على ضمانات بحقوق الأقليات.

وإذا ما عدنا إلى نص اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933 فإننا نرى أنها تنص على أنه «"يجب أن تمتلك الدولة المؤهلات التالية: أولاً: السكان الدائمون؛ ثانياً، إقليم محدد؛ ثالثاً، حكومة؛ و رابعاً، القدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى. «

لذلك فإن مبدأ التكامل أو وحدة الأراضي للدول لا بد من أن يكون راسخاً ومحمياً بقواعد تحظر التدخل في الشؤون المحلية للدول الأخرى وتمنع التهديد أو استخدام القوة ضدها. لذلك فوفق القانون الدولي، فإنه محظور استخدام القوة ضد دولة أخرى، ما لم يكن استخدام القوة أحد الاستثناءات المحدودة المنصوص عليها في القانون الدولي: (العمل العسكري في الدفاع عن النفس و/أو الإجراء العسكري الذي يسمح به مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة) هو الذي يجب أن يسود في عصرنا هذا. وبالفعل يمكن القول إن سيادة الدول تعرضت لضغوط متزايدة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال مفهوم «السيادة الطارئة».

ويتزايد تدخل الدول من دون الرجوع إلى قرارات دولية على اعتبار أن فشل دول ما في ضبط الأمن الداخلي سيدفع حتماً غيرها إلى التدخل الخارجي لحماية «المجتمع الدولي». فقد شكلت الحروب على الإرهاب أكثر التحديات شمولاً لأشكال السيادة المعاصرة في النظام الدولي. كما أن فكرة السيادة الطارئة التي تتطلب من الدول التصرف بمسؤولية، تتجاهل السلامة الإقليمية وخير مثال ما جرى عقب التدخل الخارجي في كل من العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا.

لذلك فإن ترك الفراغ وانعدام الأمن ونشر الحوادث الأمنية لسنوات في عدد من الدول الشرق أوسطية لا يكون من أجل إضعاف أنظمة فقط بل من أجل تبديل جغرافيا وفرض ظروف ومعطيات تأخذ بعين الاعتبار حقوق الأقليات الدينية والطوائف تمهيداً لرسم جغرافيا سياسية تخدم الدول الكبرى لقرون لا لعقود.

makahleh1@gmail.com