لا يوجد في القاموس السياسي مصطلح أشد فظاظة من مصطلح صناعة اليأس، فهو كفيل يإشاعة الإحباط في المجتمع،وتثبيط الهمم وإضعاف العزائم،فإذا أردت أن تهزم أمة، وتهدم حاضر ومستقبل أعرق المجتمعات اجعل اليأس سائدا بينها.

هناك اعتقاد خرافي يتمدد عند بعض المثقفين وغير المثقفين،والمتعلمين وغير المتعلمين، حول الحكومة السرية التي تحكم العالم،وتوجه كل هذا العالم، وتتحكم في مقدرات الدول وتحديد مصير شعوبها، وتشعل الحروب والصراعات في أنحاء المعمورة،وأن الحكام والرؤساء والحكومات ما هم إلا مجرد مناظر وهياكل في حكومة سرية، أو في دولة عميقة عالمية تدير شؤون العالم.

البعض يعتقد أن المحفل الماسوني هو الحكومة السرية، والبعض يقر بأن جمعية الجماجم والعظام هي الحكومة الخفية، والبعض يتوهم بأن نادي بلديربيرغ الشهير هو حكومة العالم السرية، يعني هناك اعتقاد سائد بأن مجموعة من كبار الأثرياء ورجال الأعمال وكبار الشخصيات وأصحاب النفوذ السياسي والإقتصادي والإجتماعي يمثلون الحكومة الخفية أو السرية.

من يؤمن بأن هذه المحافل والجمعيات السرية لها حكومة تدير هذا العالم، فقد دخل في دائرة الشرك، لأنه نزع بعض ملك الله ومنحه لهذه المحافل والجمعيات السرية، وكأننا في هذا العالم لا حول لنا، ولا وزن لنا ولا قيمة لنا،مسيربن من قبل أيادي خفية،يقال بأنها تحكم وتدير هذا الكون بأكمله، ويخططون لكل ما يحدث به من حروب وصراعات وأزمات.

هذا الرأي يغذي اليأس في نفوس الناس، هذا الوهم يرفضه العلم ويتنافى مع الدين، هؤلاء يتحدثون عن خرافة العصر وخزعبلات وأساطير لا وجود لها إلا في عقولهم...وليس لديهم إطلاع في علم السياسة أو علم العلاقات الدولية،هذا التفكير الخرافي خالي من العقل وبعيد عن الرشد، ومن المؤسف أنهم يتداولون هذا الهراء على منصات التواصل الإجتماعي وفي الصحف والمواقع الإخبارية بكل جرأة، ويدفعون المجتمع نحو ثقافته مبنية على الخزعبلات والأساطير.

صحيح أن بعض الدول لها نفوذ سياسي واقتصادي حول العالم، لكن لا وجود لأيادي خفية تحكم العالم، ولا وجود لأي قوة أو منظمة أو محفل أو جمعية سرية تدير العالم... هذا لا يلغي وجود التخطيط الهادف لتحقيق المصلحة، لأن جميع الدول تسعى لتحقيق مصالحها على حساب دول أخرى.

لايتولى إدارة العالم سوى الله سبحانه وتعالى، ونحن إزاء حرب نفسية خبيثة، جزء من هذه الحرب هو الغباء لدى البعض في التعامل مع هذه الحرب...هي حرب نفسية لكي تسقط من تلقاء نفسك، وأن تأكل خلايا جسدك بنفسك، وأن تنتهي بترويج فكر الخرافة والهراء، فالغباء أشد خطورة على أمن الوطن من أي تحديات خارجية.

لن نمضي خطوة واحدة إلى الأمام إلا بالفكر العلمي، لن نتقدم نحو المستقبل إلا بالتفكير العلمي، لن يستقيم وطن إلا بالمنهج العلمي. نشر اليأس في قلوب الأمم والشعوب والترويج له إعطاب للعقل وتغذية لليأس ينبغي ان يتوقف.

أزمتنا ليست بوجود الخرافة، إنما في استقبالنا لتلك الخرافة وثقتنا بها وتداولها والترويج لها.