يشهد العالم «حربا تكنولوجية باردة» بين القوى الكبرى للسيطرة على العالم عبر التكنولوجيا الحديثة والتطبيقات الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحقيق السبق الاقتصادي، والعسكري والسياسي والإعلامي وذلك بالاستفادة من تقنينات الجيل الخامس (G5) التي تُشكل مصدر القوة للدول التي تتطلع إلى التحكم بالعالم لأن هذا المجال الجديد هو محور المنافسة بين الدول وهو مصدر الثروة الحقيقية إضافة إلى الموارد البشرية.

يختلف حجم الاستثمارات الدولية في الذكاء الاصطناعي من بلد إلى آخر. فقد ارتفع حجم الاستثمارات الدولية في الذكاء الاصطناعي نحو 60 في المائة منذ العام 2010. وتُقدر الاستثمارات العالمية بمبلغ 15.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، كما أنه من المرجح وصول الاستثمار العالمي إلى 89.9 مليار دولار بحلول عام 2025، مع تمكن عدد من الدول الحصول على تقنيات الذكاء الاصطناعي لبناء قدراتها واقتصادتها لأن تلك التكنولوجيات هي المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي على مدى السنوات القليلة المقبلة، ولن تتمكن الدول من جذب استثمارات عالية الجودة إذا لم تخلق بنية تحتية مواتية لهذه التكنولوجيا المتقدمة.

ستساعد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على تحسين إنتاجية العمل حيث تساعد تقنياتها في أداء المهام والواجبات بشكل أفضل. وتظهر الأبحاث أن ما يصل إلى 46 في المائة من المكاسب الاقتصادية الإجمالية ستتأتَى من تحسينات المنتجات وتحفيز الطلب على السلع الاستهلاكية عير الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 ما سيؤدي إلى تنوع أكبر في المنتجات.

وستتصدر الصين القائمة باعتبارها الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي لأن هذا سيضيف ما يقارب من 27 في المائة إلى ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 وستكون أميركا الشمالية في المرتبة الثانية بنسبة 15 في المائة. وستزيد هذه النسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 14 في المائة في عام 2030.

ويمكن للدول المتقدمة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي أن تحرز تقدماً على الدول النامية من خلال الحصول على 25 في المائة إضافية من المكاسب الاقتصادية الصافية. ومن ناحية أخرى، قد تحصل الدول النامية على أقل من 5 في المائة لأن العديد من الدول المتقدمة تستعد لتحقيق نسب نمو إنتاجية أعلى للناتج المحلي الإجمالي ما يتعين على الدول النامية مواجهة التحديات واعتماد التحدي التكنولوجي الجديد ليس فقط لتطوير صناعاتها ولكن أيضاً لزيادة الناتج المحلي الإجمالي من خلال الاستفادة من تجارب الآخرين في الدول المتقدمة.

ويمكن للدول النامية أن تتقدم على الدول المتقدمة التي تعاني من مشكلة حادة تتمثل في شيخوخة السكان. فأكثر من 70 في المائة من سكان الدول النامية هم من جيل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 33 سنة. ويمكن أن يكون ذلك وسيلة إيجابية للغاية لسد الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية من خلال اعتماد الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة.

المستخدمون الرئيسيون لتطبيقات الذكاء الاصطناعي هم أقطاب محركات الإنترنت مثل غوغل، بايدو، وهي شركة تكنولوجيا صينية، ياندكس، شركة شبكات تكنولوجية روسية، وغيرها. وقد استثمرت تلك الدول أكثر من 39 مليار دولار أميركي في تكنولوجياتهم في عام 2018. أما القطاعات الأخرى مثل الطاقة والخدمات المالية، بما في ذلك البنوك وأسواق الأوراق المالية وشركات السيارات والإعلام والنقل والكيانات اللوجستية، فتأتي في ترتيب لاحق. ففي عام 2018، استثمرت الدول المتقدمة أكثر من 10 مليار دولار في التعلم الآلي الذي هو جزء من الذكاء الاصطناعي.

الولايات المتحدة والصين حالياً هما القوى الرئيسة للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. وتمثل مختبرات الأبحاث والتكنولوجيا التابعة لوزارة الدفاع الأميركية مركزاً رئيساً لتكنولوجيا العصر الجديد وتتنافس بذلك مع الصين وروسيا لأن التقدم التقني لا ينحصر في التطور التكنولوجي للاستخدامات المدنية فحسب بل وللاستخدامات العسكرية التي تمثل مستقبل كل دولة.

لقد اختارت الصين الحفاظ على استثمارات عامة قوية تقدر بنحو 7 مليارات دولار سنوياً في مشاريع الذكاء الاصطناعي كجزء من خطة عمل وطنية طموحة لإنشاء صناعة بقيمة 150 مليار دولار بحلول عام 2030. وتمتلك إسرائيل ثالث أكبر حصة سوقية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العالم مع استثمارات مباشرة تقدر بمليار دولار أمريكي في عام 2017، وهو العام الذي أدرجت فيه سبع شركات مملوكة لإسرائيل ضمن أكثر شركات الذكاء الاصطناعي الدولية تطوراً في العالم. كما أن هناك علاقة تقليدية بين الجيش الإسرائيلي والصناعات التكنولوجية في البلاد تردفها الهياكل الأكاديمية.

وقدرت ميزانية اليابان للذكاء الاصطناعي بمبلغ مليار دولار أميركي عام 2018. وقد شرعت كندا في مسار تمويل القطاعين العام والخاص من أجل تعزيز وإقامة ريادة الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير التدريب والتأهيل وعروض الأبحاث في هذا المجال برعاية مباشرة من وزارة المالية.

وخصصت روسيا ميزانية قدرها 15 مليار دولار أميركي لأبحاث الذكاء الاصطناعي من أجل تطوير قطاعاتها المدنية والعسكرية. وسيكون الاتحاد الأوروبي مسؤولاً عن تطوير الذكاء الاصطناعي استناداً إلى مشروع بعنوان: «رؤية 2020». كما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن عن استثمار قدره 2 مليار دولار أميركي بحلول عام 2020 في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي أبريل من عام 2018، أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نية ألمانيا لدخول ميدان الذكاء الاصطناعي من خلال وضع إطار لصناديق الاستثمار الأجنبية. وخصصت المملكة المتحدة 200 مليون دولار أميركي لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي. أما إسبانيا فهي إحدى الدول التي طورت استراتيجية وميزانية، وتعمل منذ عام 2017 على صياغة ورقة بيضاء حول الذكاء الاصطناعي.

في ظل كل ذلك، لا زالت الدول العربية تبحث عن ما هو داخل الارض أثبتت الدول المتقدمة أنها لا تعني شيئا بالمقارنة باقتصادات الجيل الخامس والسادس. نحن لا زلنا نبحث عن قوت يومنا وتلك الدول تبحث عن التحكم في الأرض وسكانها.