في الثاني من تشرين الأول الماضي رحل عنا الأخ الغالي والعديل العزيز ابن دبين البار المهندس وهدان عويس وعاد لداره «الهدأة».

حياة وهدان غنية بالأحداث وقبل رحيله نشر كتابه «العودة إلى الهدأة» يروي فيه رحلة عمره وحياته ورعايته وحبه لزوجته واولاده وأحفاده. اما الهدأة: فهي شجرة الصنوبر الوارفة الظلال في ضواحي دبين – وفيها منزله يقول: انه سيبقى فيها عند تدوينه ذكرياته لأنه عشقها. لم يكتب فقيدنا خواطره وذكرياته باللغة المتعمقة وقواعد التأليف السائدة. وابتعد عن اسلوب المبالغة والتلميع واخفاء الحقائق لكنه سرد الأحداث كما شهدها وأعرب عن مشاعره وأحاسيسه العفوية دون محاباة.

لم تكن القُربى علاقتي بوهدان،لكنها الاخوة والمحبة أيضاً. لن اذكر وانا اسطر القليل عن حياته، دراسته في جرش واربد وحصوله على شهادة الهندسة من بغداد ثم عمله في وزارة الاشغال وامانة عمان وتوجهاته الحزبية ثم رحلاته في مجال العمل لمعظم الدول العربية مع دار الهندسة ذات المستوى الاستشاري العظيم في تشييد البنى التحتية. لكنني اتحدث عن شخصه وكفاحه. فقد كان منضبطاً كالجندي بتصرفاته مع رفاقه وعائلته ومستمعاً جيداً. يتحدث بصوت دافئ بفكر قومي عربي لأبعد الحدود. لقد مر بمحطات صعبة وكافح من اجل امته وكان اخر مركز له رئيساً للمنتدى العربي. كلفه ذلك ثمناً باهظاً لكنه استمر في معتقداته وتعامله الانساني مع الناس ولم يسعَ ليصل لمراكز ومناصب، وظل متواضعاً دافئ القلب وراجح العقل لم يحنِ رأسه ليفوز بشيء ولم يتخلَّ عن اصدقائه وعائلته.

أحب دبين و"الهدأة» واحب وطنه وامته. عانى المرض، وكنت ازوره بالمستشفى ولم اسمعه يشكو ويتألم وكان صلباً وصابراً وهنا تذكرت ما قاله جبران خليل جبران عن الألم في كتابه «النبي» «وان ما تشعرون به من الالم هو انكسار القشرة التي تغلف ادراككم، وهكذا انتم ايضاً يجب ان تحطم الالام قشوركم قبل ان تعرفوا معنى الحياة. لأنكم لو استطعتم ان تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل والدهشة كما كنتم ترون الامكم اقل غرابة من افراحكم بل كنتم تقبلون فصول قلوبكم كما قد قبلتم في غابر حياتكم الفصول التي مرت في حقولكم وكنتم ترقبون وتتأملون بهدوء وسكون شتاء احزانكم وآلامكم».

وقبل رحيله تحدثنا عن العودة للهدأة فكان رده متشائماً، اي انه لن يذهب مرة اخيرة كأنه شعر بالرحيل العاجل وتذكرت جبران خليل جبران وما قاله عن الموت: «انكم تريدون أن تعرفوا أسرار الموت. ولكن كيف تجدونها إن لم تسعوا إليها في قلب الحياة. فإذا رغبتم أن تنظروا روح الموت، فافتحوا أبواب قلوبكم على مصاريعها لنهار الحياة. لأن الحياة والموت واحد. ففي اعماق امالكم ورغباتكم تتكئ معرفتكم الصامتة لما وراء الحياة». كان ابو رامي قومياً عربياً اصيلاً. عمل جاهداً من اجل تحقيق حلمنا الكبير–وحدة امتنا العربية لكنه ايقن بتعثر المسيرة وعاد للهدأة رفيق رحلته العظيمة مع الحياة. العودة هذه المرة الرجوع الاخير املاه القدر. رحمك الله يا «أبا رامي» الغالي وستظل في قلوبنا وعقولنا، ولن ننساك أيها الحبيب.

oumeishdermatol@hotmail.com