التساؤلات يطرحها ديستوفسكي أحد عمالقة الفن القصصي والروائي في اعماله الفنية. تساؤلاته تكشف عن رؤى إنسانية عميقة تدين الارهاب والفوضى اللذين سادا بلاده روسيا في العصر القيصري.

في قصته «المجانين» يفضح ديستوفسكي نمط حياة مبتذلة شهدها عصره، حياة الغش والكذب والنفاق. يعكس في قصته الفترات الشاذة في التاريخ التي عاشتها وتعيشها البشرية الى اليوم. ما شهدته روسيا القيصرية تشهده اليوم ارجاء واسعة من العالم.

شخصيات «المجانين» لا ترسو على موقف واحد فهي في معظمها منافقة، متسلقة كشخصية «ستيبان» الذي يوهمك انه مؤمن بالحرية وحتمية الثورة على الاوضاع الشاذة في بلاده، ولكنه في موقف آخر يبدو انتهازياً على عكس ما يدعو اليه من افكار. اما استافروجين وهو بطل القصة، فمتشبع بأفكار استاذه ستيبان. سلوكه مضطرب يعيش القلق نفسه الذي يعيشه الكاتب نفسه.

أما «كيرلوف» وهو مهندس مثقف يريد الاصلاح ولا يقوى عليه، وفي رأيه ان كل الاشياء تتماثل في مجتمعه وهو التماثل في الكذب والغش. يقول قبل انتحاره: «اذا كانت قوانين الطبيعة ترغم الانسان على ان يعيش في الكذب وان يموت من جل اكذوبة فمعنى ذلك ان هذا الكوكب كله ليس سوى اكذوبة، واذن ما جدوى الحياة». (قصة المجانين، ديستوفسكي، ص 32، ترجمة اسماعيل المهدوي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر).

هذا التساؤل القلق لطالما طرحه ديستوفسكي على نفسه إن في معتقله بسيبيريا ام حتى في منفاه في ألمانيا، انه تساؤل عن عبثية الوجود حين تبدو فيه كل الاشياء مكفهرة.

وللعلم فديستوفسكي كتب قصته هذه وهو في المنفى بألمانيا عام 1870 بعد ان نجا من حكم الاعدام عليه.

في قصته «المجانين» إدانة حادة لليبرالية المتطرفة. هذا الرفض المطلق للواقع المزيف الذي عاشه الكاتب كما صورته قصة «المجانين» نلمسه ايضاً في روايته الشهيرة «الاخوة كرامازوف».

فلنقرأ هذا الحوار العميق الغور الذي يدور بين ايفان واخيه اليوشا. يقول أيفان: «ليس الله هو ما ارفض، كل ما في الامر اني لا اقبل هذا العالم، وإنما ارفضه رفضاً قاطعا».

ومع تقديرنا لحالة «الرفض المطلق» التي تنسحب على ابداعات هذا الكاتب العملاق، فإنه لا يكفي، اذ لا بد من إحداث تغيير نوعي يُخرج الانسان من وضعه المأساوي.

وفي تعليق رصين على مثل هذا الرفض يقول الناقد والمفكر البارز أ.د. هشام غصيب: «إن شحن هذا الرفض بالروح العلمي، والعكس بالعكس، هما شرط اساس لتحرير الرفض من إطار التكرار التاريخي المُمل ولإكسابه القدرة على إحداث تغييرات نوعية في المجتمع الانساني. (د. هشام غصيب: «ثقافتنا في ضوء تبعيتنا، ص 118).

وهذه التغييرات النوعية لا تتم دون «قبول لامكانات يخلقها هذا الرفض». فالرفض وحده -وكما يشير د. غصيب- لا يكفي في عالم اليوم، اذ لا بد من ارادة التغيير.

ديستوفسكي في روائعه الفنية الفذة يُمثل الواقعية الاجتماعية التي ترفض الخواء الانساني للحضارة الحديثة.

هذه الحضارة الحديثة رغم ما انتجته من مخترعات تكنولوجية فإنها لم تنتج -مع الاسف- سلماً عالمياً يوفر الحياة الانسانية الفاضلة للبشر.

إن الرفض المطلق للعالم كما جسدته روائع ديستوفسكي جاء «باسم عذاب البشرية» لقد رفض هذا الكاتب الفذ المنطق الاستعلائي الذي يسمح لِـ"قلة» ان تتحكم في رقاب أغلبية ضعيفة مقموعة.